“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أحمد حرمل
في لمح البصر، أو في ومضة من الزمن، خسر الجنوب كوكبةً من رجاله العظام، أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بميلاد دولته قبل أن تطرق الوحدة أبوابه.
علي البيض، وراجح صالح ناجي، وأحمد الهيال، وعبدربه منصور، واليوم نودّع أنيس حسن يحيى، فنسجّل رحيلاً يتلو رحيلاً، وغياباً يضاعف فداحة الفراغ.
لم يكونوا مجرد قادة تسلّموا دفاتر الحكم، بل كانوا أركاناً شامخة في الفكر والخلق، حفرت أسماؤها في ذاكرة مشروع الدولة الجنوبية، وارتبطت بأسمى معاني العدالة والمساواة.
من أزقة «الرزمت» في مدينة كريتر، انبلج نجم أنيس، ومن رحم البسطاء والمهمّشين تشكّل وعيه.
هناك، بين أبناء الكادحين، تنفّست روحه رائحة الكرامة، وتفتّح قلبه على دروس العدالة.
تلك البيئة الشعبية لم تكن مجرد مشهد عابر، بل ينبوعاً فاض بالفكر، وأسس في ضميره التزاماً لا يلين بقضايا العمال والفلاحين، معتقداً أنهم العمود الفقري لأي دولة حديثة.
لم يكن أنيس رجل دولة فحسب، بل كان أحد أبرز مفكري الحزب الاشتراكي اليمني، ذلك الحزب الذي جسّد حلم البسطاء، والتقى بهمومهم، وآمن بالعدالة غايةً وبالمساواة مبدأً.
كان يرى أن السياسة، إذا خلت من القيم، صارت جوفاء، وأن بناء الدولة لا يقوم إلا على أسس النظام والقانون.
منذ البداية، جعل الفكر بوصلته، ولم يغترّ بالشعارات الرنّانة، بل ظلّ مفكراً يزن الأمور بميزان العقل، ويشخّص الداء قبل أن يصف الدواء.
آمن بأن السياسي بلا فكر كسفينة بلا دفة، ولذا كان صوته هادئاً كغيم المطر، لكنه نافذ كضوء الفجر، يذكّر رفاقه بأن العدالة ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية تلامس حياة الناس.
ومع رفاق دربه في الحزب، أسهم في ترسيخ دعائم دولة النظام والقانون، حيث المساواة أساس الحكم، والعدالة الاجتماعية قطب المشروع الوطني الرحيب.
لم يبحث عن منصب، بل عن دولة عادلة تحتضن أبناءها وتمنحهم حقوقهم كاملة.
كان أنيس جزءاً من جيل اليسار الفريد؛ جيل حمل على كاهله مشروع العدالة، وانحاز للعمال والفلاحين، ورأى في الطبقة العاملة نواة النهضة.
ومن تلك البيئة الشعبية خرجت معظم قيادات الجنوب، ومنها أنيس ورفاقه الذين جعلوا من الحرية والعدالة والمساواة مشروعاً وطنياً، لا مجرد أيديولوجيا.
لم ينغلق ذلك الجيل على نفسه، بل وقف مع قضايا الشعوب العادلة، وناصر حقها في الحرية، واتخذ من القضية الفلسطينية قضيةً مركزية، مؤمناً بأن انحيازه للحق والحرية جزء من هويته، وأن رسالة الجنوب إلى العالم أن العدالة لا تتجزأ.
وأعظم ما خلّفه أنيس أنه ظلّ معلّم الشباب حتى الرمق الأخير. فتح بيته وفكره لكل من أراد أن يتعلم معنى الوطنية الحقيقية.
علّمهم أن الوطنية ليست كلمة تتردّد على الألسنة، بل التزام بالقيم الإنسانية، وأن حب الوطن لا ينفصل عن حب العدالة.
لم تكن شجاعته في الصراخ، بل في الثبات على الموقف. ترفّع عن الصغائر حين اقتضى الضمير، وتمسّك برؤيته حين كثر الضجيج، وظل ناصحاً أميناً حتى آخر أيامه.
كان صوته هادئاً لا ينكسر، ورمزاً لشجاعة تُبنى على الحكمة.
أنيس حسن يحيى… لم يكن مجرد قائد سياسي عابر، بل كان منارة تنوير، ومدرسة في الصبر والحكمة، وصوتاً للعدالة لا يسكت.
ترك لنا درساً خالداً، هو أن تكون كبيراً يعني أن تكون رحيماً، وأن تحب وطنك يعني أن تبني دولة القانون، لا أن تكره الآخر.
رحمك الله يا أبا الجميع… كنت لنا معلماً في الحياة، وستبقى معلماً بعد الرحيل.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

