آخر الأخبار

spot_img

في رحيل الأستاذ أنيس حسن يحيى

صحيفة الثوري – كتابات:

د. همدان دماج

برحيلِ المناضلِ الوطني الكبير، العم والأستاذ أنيس حسن يحيى، في العاصمة المصرية القاهرة بعد سنواتٍ من المرض والانزواء عن الأضواء، تُطوى صفحةٌ ناصعة من تاريخ الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة. وليس في الأمر مبالغة من أي نوع إن قلنا إن برحيله يغادرنا واحدٌ من أنقى وأجمل رجالات الرعيل الأول الذين أسسوا للحياة السياسية والدولة الوطنية الحديثة في اليمن.

ذاكرة صنعاء.. وضوح وصلابة

تذكرني وفاتُه اليوم بحديثٍ ممتع ومطول جمعني به قبل سنوات في منزله بصنعاء، ولا تزال الذاكرة تحتفظ بصورته الودودة المضيافة يومها وهو يسرد لي، بعقله المنفتح وثقافته الموسوعية، بعضاً من أعقد منعطفات تاريخنا المعاصر. لقد كان “العم أنيس”، كما يحب الكثيرون تسميته، قريباً من القلوب، يمتلك مزيجاً ساحراً ونادراً يجمع بين وضوح النظرة وصلابة الموقف، ولطافة الشخصية والجمال الجم في المعشر الذي لا تخطئه العين. كان رجلاً يجسد مرحلةً كاملة عنوانها الرقي، الكفاءة الحقيقية، والتنوع المعرفي.

من مقيل لندن إلى الربيع العربي

أستعيد اليوم ومضاتٍ من معرفتي الأولى به عام 2003 في العاصمة البريطانية لندن، وتحديداً في المقيل الأسبوعي للراحل العزيز أحمد مسعود (أبو عوض). كم أدهشني حينها العم أنيس بقدرته الفائقة على التحليل، واستيعاب الملاحظات، وجرأته النادرة في الطرح والنقاش. وظل ذلك الود موصولاً بيننا دائماً؛ فكنا نلتقي كلما سنحت الفرصة في صنعاء، وكان حريصاً على حضور الندوات التي يقيمها مركز الدراسات والبحوث اليمني، متفاعلاً بنبض المفكر الحريص مع تطلعات الشباب وتحولات البلاد ومستقبلها خلال فترة الربيع العربي.

وكان آخر عهدي به في زيارةٍ لبيته برفقة الأعزاء مصطفى راجح، مروان دماج، وسام أبو أصبع؛ حيث كنتُ دائم الإلحاح عليه بكتابة مذكراته وشهاداته التاريخية. ووعدنا يومها أن يكرس جهده لتوثيق تلك المسيرة الاستثنائية لجيلٍ سياسيٍّ ترفَّع بالسياسة والإعلام عن خصومات الكراهية، جيل كان إذا اختلف مع رفاقه ذهب إليهم حاملاً أدب الحوار وباحثاً عن مساحات التفاهم، فاستحق احترام الجميع بمختلف توجهاتهم.

إرث ناصع ومواقف لا تتغير

يرحل اليوم ابن “كريتر” البار، والقيادي التاريخي الأبرز في مسيرة اليسار والحزب الاشتراكي اليمني منذ التأسيس. يرحل الوزير المناضل الذي أدار حقائب الاقتصاد، والمواصلات، والثروة السمكية، وشغل منصب نائب رئيس الوزراء قبل الوحدة، ورئيس الكتلة البرلمانية للحزب ومستشار رئيس الوزراء بعدها.

ورغم كل تلك المناصب الرفيعة والمنعطفات العاصفة التي مرت بها البلاد، من أحداث يناير 86 إلى حرب 94، وصولاً إلى الربيع العربي والعواصف التي اقتلعت كل شيء بعده، وحتى سنواته الأخيرة، بقيت صفته الأثيرة والثابتة هي كونه المفكر والمناضل والسياسي الذي تمسك بإنسانيته وقيمه في كل الظروف، ولم يتبدل أو يتناقض مع نفسه يوماً.

إننا إذ ننعي هذا الرمز الكبير، فإننا نعزي أنفسنا، واليمن بأكمله، ونتقدم بخالص العزاء وعظيم المواساة إلى أسرته الكريمة؛ وفي المقدمة زوجته المناضلة والأستاذة المربية أم الخير أحمد حيدرة، ونجله المهندس باسل، وابنته غادة، وإلى كافة رفاقه ومحبيه في الحزب الاشتراكي اليمني والحركة الوطنية اليمنية.

رحم الله العم العزيز أنيس حسن يحيى، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من سيرةٍ وطنية وإنسانية ناصعة فخراً للأجيال القادمة وإرثاً يستضاء به في عتمة المراحل.