آخر الأخبار

spot_img

في وداع المهاجم “البومبر” الكابتن بشير عبدش

كتابات- اياد أحمد:

غاب اليوم الكابتن بشير عبدش، رأس الحربة الذي ارتبط اسمه بأجمل سنوات نادي اتحاد إب، وأحد أبرز وجوه ذلك الجيل الاستثنائي الذي زين ملاعب المدن اليمنية بين عامي 1996 و2000.

كان بشير عبدش مهاجماً بالمعنى الكلاسيكي للكلمة (بومبر)، لاعب محطة تتكئ عليه الهجمات، وصاحب حضور طاغ داخل منطقة الجزاء، ببنية جسدية ضخمة مكتنزة كأنه رباع أوزان ثقيلة، ورأسيات حاسمة تركت أثرها في ذاكرة جماهير اتحاد إب، أو “الأتي” كما كان يحلو لعشاقه أن ينادوه. وما زلت أستعيد، كلما ذُكر اسمه، تلك الضربة الرأسية الخالدة التي منحت اتحاد إب لقبه الوحيد الأثير ،كأس رئيس الجمهورية، أمام نادي الشعلة عام 1999. كان ملعب الظرافي بصنعاء يومها ممتلئاً عن آخره، وكأن المدينة كلها تدفقت إلى المدرجات. أتذكر أنني كنت أقف في المدرج الواقع خلف المرمى مباشرة، المدرج الشهير المخصص لجماهير أهلي صنعاء، أتابع الكرة وهي ترتفع في الهواء قبل أن تستقر في الشباك، معلنة لحظة انفجار جماعي للفرح ما زالت تفاصيلها مشعة في الذاكرة حتى اليوم. لم يكن هدفاً عادياً، بل واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تتحول مع الزمن إلى جزء من السيرة العاطفية لجيل كامل.

ولشدة الخصومة الكروية التي كانت تشعل مدينة إب بين قطبيها الكبيرين، نادي شعب إب صاحب التاريخ العريق والجماهيرية الكاسحة، واتحاد إب الصاعد آنذاك إلى ذروة مجده، تحولت العودة بالكأس إلى فصل آخر من فصول تلك الحكاية الممتدة. فعندما كان باص الاتحاد يشق طريقه من صنعاء نحو إب حاملاً كأس رئيس الجمهورية، احتشدت جماهير الشعب على امتداد جبل سمارة في مشهد فنتازي. رافعة لافتات عريضة كُتب عليها: “مِش كأس العالم يا أتي.. مِش كأس العالم يا أتي”، فيما كانت مكبرات الصوت تردد الشعار ذاته على طول الطريق، في محاولة ساخرة للتقليل من قيمة الكأس التي عاد بها الغريم إلى المدينة. غير أن تلك السخرية نفسها كانت، في وجه آخر، اعترافاً بحجم الحدث الذي شغل إب كلها أياماً طويلة وجعل المدينة تعيش على إيقاع كرة القدم وحدها.

وفي تقديري، فإن ذلك الجيل “الإتاوي” بقيادة الكابتن أحمد البريد، أبرع لاعب يمني شاهدته على الإطلاق، قدم أجمل وأكمل كرة قدم عرفتها الملاعب اليمنية. كان فريقاً يجمع المهارة والروح والشخصية، وكان عبدش أحد أعمدته الأساسية.

مضى الكابتن بشير عبدش بهدوء يشبه حياة كثير من أبناء هذه البلاد، بعيداً عن الأضواء التي يستحقها، منشغلاً بكسب رزقه على دراجته النارية، بينما بقيت أهدافه وصوره وأفراحه محفوظة في ذاكرة مدينة كاملة وجيل كامل من عشاق الكرة.

العزاء اليوم يمتد من أسرة الكابتن بشير عبدش إلى مدينة إب كلها. إب التي عرفناها يوماً ب “نابولي المدن اليمنية” لما كانت تختزنه من ولع كروي جارف. مدينة كان لكرة القدم فيها مقام خاص، وكانت أسماء لاعبيها جزءاً من حديث الناس وذاكرتهم اليومية. وبرحيل بشير عبدش فإن صفحة مميزة من ذلك الزمن “الإتاوي” الجميل تطوى، زمن المدرجات المزدحمة بالأغاني و اللون الأحمر، وأيام أحمد البريد ورفاقه، زمن الكرة في تلك المدينة كانت احتفالا دائم بالحياة.

برحيل بشير عبدش، يغيب واحد من أبناء ذلك الزمن البهي، زمن المدرجات المزدانة بالأهازيج والكرات الرأسية الحاسمة والوجوه التي استحالت مع الأيام جزء من السيرة العاطفية لنا والمدينة وملاعب البلاد التي كانت يوم ما بلاد !