آخر الأخبار

spot_img

أسود الشعر الشعبي

صحيفة الثوري – كتابات

خالد طربوش

في البيضاء ويافع وأبين، لم يكن الشعر الشعبي يومًا ترفًا لغويًا أو مجرد لون من ألوان التسلية، بل ظل عبر الزمن مؤسسة وعي حقيقية ولسان مجتمع يتكلم حين تصمت المنابر الرسمية أو تُزوَّر الحقائق.

فهذا الشعر لم يهبط من صالونات الثقافة ولا من مكاتب السياسة، بل خرج من قلب الناس؛ من السوق والمجلس والبادية والجبهة، يحمل همّ المجتمع وقلقه وغضبه وآماله، ولذلك اكتسب مكانته كأصدق مرآة للرأي العام وأقرب مفاتيح فهم الواقع الاجتماعي والسياسي والوطني.

وفي هذه البيئات القبلية والاجتماعية، لم يكن الشاعر مجرد قائل أبيات، بل كان في أحيان كثيرة موقفًا سياسيًا قائمًا بذاته، وصوتًا جامعًا، وأصدق قراءة للمشهد، يلتقط ما يشعر به الناس قبل أن تقوله البيانات والخطب إن قالت.

ومن هنا جاءت الردود والمساجلات الشعرية بين الشعراء وكأنها حوار مجتمع كامل؛ قصيدة تشعل قضية، وأخرى ترد عليها، وثالثة ترجّح المزاج العام وتحسم اتجاهه.

ولهذا بقي للشعراء رموزهم وأسودهم الذين لم يصنعهم الإعلام ولا السلطة، بل صنعتهم ثقة الناس، وقوة الكلمة، وصدق الموقف.

فأسماء مثل ثابت عوض والخالدي وأبو درة وأبو حمدين وغيرهم كثير، لم تصبح حاضرة في الوجدان الشعبي بسبب الشهرة وحدها، بل لأن الناس رأت في قصائدهم تعبيرًا صادقًا عنها وعن قضاياها ومواقفها.

ولأن الشعر هناك جزء حي من الوعي اليومي، فقد تحول كثير منه إلى أغانٍ شعبية تتناقلها المجالس والسيارات والباصات والأسواق والأعراس والجبهات، فتزداد حضوره وتأثيره.

ويبرز هنا صوت علي صالح اليافعي الذي نقل كثيرًا من هذا الشعر إلى الذاكرة الشعبية المغناة، فصار البيت الشعري يعيش عمرًا أطول ويتحول إلى وجدان عام يردده الناس كما لو أنه جزء من سيرتهم اليومية.

وحين تريد أن تفهم كيف يفكر الناس في البيضاء أو يافع أو أبين تجاه حدث سياسي أو قضية وطنية، فلن يكفيك غالبًا خطاب المسؤولين أو بيانات الأحزاب ومواقفهم، بل تحتاج أن تسمع ماذا قال الشعراء، وكيف ردّت القبائل، وما الذي تردد في المجالس والأسواق.

فهناك يظهر الرأي الحقيقي بلا تجميل، وهناك تتكشف موازين القبول والرفض والهيبة والسقوط.

ولذلك يمكن القول إن الشعر الشعبي في هذه المناطق لم يكن مجرد إرث ثقافي، بل ظل شكلًا من أشكال التعبير السياسي والاجتماعي، ووسيلة لحفظ الهوية، وميزانًا حساسًا لنبض الشارع، حتى بدا أحيانًا وكأنه البرلمان الشعبي الوحيد الذي لا يزال الناس يثقون به.

فقد ترفع قصيدة واحدة شأن رجل، أو تُسقط هيبته، أو تصلح بين خصوم، أو تشعل موقفًا عامًا، لأن الناس هناك لا تتعامل مع الشعر ككلمات عابرة، بل كقيمة وموقف وشهادة أمام المجتمع والتاريخ.