“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
في الوطن اليمني المُثخن بالجراح، لم تعد الزنازين مجرد جدرانٍ باردة، بل صارت جغرافيا كاملة للخوف وخرائط للرعب. يُعتقل الإنسان لا لأنه أجرم، بل لأنه فكّر، ولأنه رفض الانحناء. ليس في اليمن اليوم ما يُشبه الدولة، بل ما يُشبه قبضةً أمنية غليظة تُحكم إغلاقها على أنفاس الناس.
لذا سنبقى نكتب عن حكم المليشيات كقوى أمر واقع، إلى أن تصبح ضمن الدولة الضامنة وضمن الجيش الوطني اليمني الواحد.
إن استمرار اعتقال السياسيين المعارضين في اليمن لم يعد آلة قمع عمياء لإذلال وامتهان الناس فحسب، بل تحوّل إلى نهجٍ ممنهج، إلى عقيدة قمعية ترى في كل صوتٍ حر مشروع خطر، وفي كل معارضٍ بذرة ثورة.
المليشيات لا تبني دولة ولا توزّع الأمان في اليمن، إنها سلطات قمع تُداهم البيوت في عتمة الليل، تُكسر الأبواب، تُروّع العائلات، ويُساق الإنسان إلى مصيرٍ مجهول، بلا تهمة، بلا محاكمة، بلا حتى حقٍ في أن يُعرف مكانه.
هكذا تُدار البلاد بطاحونة الرعب والقبضة الأمنية، ويُحكم الشعب بالتكميم القسري.
الحقيقة أن السجون لن تكون، كما يتوهم الطغاة، قبوراً للفكر، ولا مصائد للعقل، ولا غرفاً لتجميد الوعي السياسي الثوري، ولا أقبية لدفن الحقيقة، بل على العكس تماماً.
إن الزنزانة، حين يُوضع بداخلها معتنقو الفكر المستنير تعسفاً، تتحول من جدارٍ سميك وسقفٍ وبابٍ موصدٍ إلى مفاعل تخصيب ثورة، إلى منجمٍ للحرية، إلى رحمٍ يتشكل فيه فجرٌ جديد لفكرٍ تقدمي مقاوم.
فكم من الأنظمة القمعية المتوحشة ظنّت، وهماً، أنها بإغلاق بابٍ مُصمَت من حديد على كتلٍ بشرية من المفكرين والسياسيين والأكاديميين المناضلين الشرفاء، قد أغلقت باباً للتاريخ واستقر حكمها.
وكم من جلادٍ ظنّ، وهماً، أن بكسر كبرياء صحفي حر يحمل القلم قد يُنهي الكلمة، وأن إسكات صوت الجماهير بالقوة يُطفئ جذوة الفكر. إنها عبثية الحسابات الخاطئة.
فقوى الهيمنة والعنجهية لم تدرك بعد أن الفكرة، حين تُسجن، تتكثف أكثر وتكتسب طاقة البقاء الأبدية من روح أصحابها، وأن عتمة السجون لا تُميت ضوء البصيرة، بل تجعله أصفى وأشد توهجاً.
دائماً، المستبدون العصبويون الجهويون لا يفهمون، لا يفقهون، لا يتعلمون من التجارب السابقة أن الفكرة، حين تُسجن، لا تموت، بل تتوحد بالظلمة والوحشة لتصبح ناراً ملتهبة تهدي المقهورين.
قال لنا التاريخ القريب جداً إن من بين تلك القضبان الحديدية والأسلاك الكهربائية الشائكة وأقبية التعذيب، عاش بين جدرانها فكر وطني علمي تقدمي لسنوات طويلة، لم يُكسر عنفوانه، وإنما انكسرت القضبان الحديدية ومعها الطغاة كأصنام.
نعم، تتذكرون، مرت قوافل مناضلة من ثوار ومفكري وسياسيي اليمن منذ خمسة عقود من الزمن حتى اليوم على تلك المعتقلات سيئة الذكر؛ مات واستشهد وفقدنا الكثير، ومنهم من لا يزال مخفياً قسراً بين جدرانها. لكن هناك من بقي حياً منهم أيضاً، وبقيت معهم فكرة روح التغيير وبذور الثورة.
إن الزنازين التي تحاول من خلالها الأنظمة البوليسية أن تُطفئ وهج المفكرين والمثقفين الثوريين، تتحول جدرانها المصمتة إلى مرآة عاكسة تكشف أدران العصابات الحاكمة وقبح سلوك الاستبداد، وتُعجّل بتهاوي عروشهم.
هناك، في ضيق مساحة المعتقلات وجدرانها الرطبة، يتسع الأفق نحو الحرية، نحو التغيير، وهناك في صمت السجن المخيف تُكتب الثورة بيانها الأول.
الطغاة في سدة الحكم يسجنون الجسد، ويمزقونه بوسائل التعذيب المختلفة، لكنهم لا يملكون مفاتيح قتل المعنويات، ولا قتل الروح الكفاحية، ولا اعتقال العقل. لا يستطيعون تطويق الخيال الثوري، ولا محو الذاكرة الحية التي تحفظ التاريخ الحقيقي لظلم وقهر الطغاة، وتدوّن معاناة الشعوب التواقة للحرية.
إن كل زنزانةٍ يتكدس فيها المفكرون والأكاديميون والسياسيون والمثقفون الثوريون بأجسادهم، تتحول إلى مكتبةٍ خفية متنقلة بين الناس. وكل سجن يزدحم بعقول تؤمن بالتغيير الجذري يصبح منجماً للمعتقلين الثائرين، الذين يخرجون من تلك الأقبية البائسة يوماً ما لا كما دخلوا، بل يخرجون أنقى، أعمق، وأشد صلابة، وأكثر إيماناً بقضية بناء الدولة المدنية الحديثة الضامنة للجميع.
فالمفكر والسياسي الثوري الذي صمد في وجه الجلادين، وعلى معصمه القيد والسلسلة، لا يُهزم بعدها أبداً.
فالسجون لن تكون قبوراً، بل أرحاماً خصبة ولّادة للأفكار الثورية، وللعقول التي تنقذ شعوبها من العبودية والظلم.
إن معتقلات المليشيات المستبدة في كلٍ من صنعاء وتعز وعدن ومأرب والحديدة والمخا وإب لا تخلو من معتقلين تحت مسميات قديمة جديدة وتهم جوفاء سخيفة.
إن تلك الأقبية القذرة التي أرادوا بها دفن ما تبقى لنا كشعب من عقل وضمير وقيم وكرامة، بالتأكيد لن تستمر طويلاً، وستصير مختبرات للفكر، وبراكين ثورة، ومناجم تُنحت فيها إرادة عشاق الحرية على صخر التعذيب الوحشي والألم.
ليس كما تحلم وتفكر قوى الاستبداد والتعصب والفساد بأن تكون السجون المحاطة بوسائل التعذيب قبوراً للأحرار وأحلامهم، بل على العكس ستغدو معامل تصهر أولئك الرجال المناضلين لتعيد صياغتهم من جديد لهباً وكرامة.
وإن كل طاغيةٍ يستخدم السجون لإذلال المفكرين والصحفيين والناشطين والسياسيين المعارضين الأحرار، إنما يزرع في تلك الزوايا المعتمة بذور سقوطه.
لأن التاريخ لا يكتب أسماء الطغاة والجلادين إلا في هامش العار والخزي، أما المفكرون والأكاديميون الأحرار الذين سُجنوا لأنهم يريدون الحرية والديمقراطية والعدالة والمواطنة المتساوية، فهم وحدهم من يسكنون متن التاريخ وذاكرة الشعوب التي لا تشيخ.
الحرية لكل المعتقلين السياسيين والأسرى في كل سجون المحافظات اليمنية.

