آخر الأخبار

spot_img

الفقيد الجماعي أعاد الاعتبار لقيم العيش المشترك

صحيفة الثوري – كتابات

عبدالعزيز الماطري

عامان للرحيل المر للمناضل الكبير والشخصية الاجتماعية الأبرز الرفيق محمد سعيد الجماعي، عامان ثقيلان تركا غصة تأبى المغادرة حتى اللحظة، فرحيل الحكماء أفدح مما اعتقدنا، من ملأ حياتنا أملاً بحضوره الفارق ورجاحة عقل واتزان أجمع عليه الفرقاء فصدقه يُلتمس ولا يخفى لمن جمعته الأيام به.

ظل الفقيد مثالاً مشرقاً للمشروع النضالي الذي حمله مع رفاق دربه لعقود طويلة من النضال والتضحية، فوحدها المشاريع الوطنية الجامعة قادرة على خلق نماذج مشرقة ببعدها الفكري والإنساني، ظهر هذا بجلاء في تعامل الفقيد الصادق والمنحاز لصف المقهورين، تعامل ينم عن سمو إنساني لا يتغيا نفعاً أو مدحاً.

عند أحلك الأيام وأشدها سودا ظل الفقيد كفنار يسترشد بضوء مواقفه رفاق دربه، لم تنل منه طرق الترهيب ولا أغرته أساليب الترغيب على كثرتها، حيناً يواجه بصريح القول دون خشية وأخرى عبر تلك النكات اللاذعة يمرر عبرها قناعاته.

تحلى الفقيد ببصيرة نافذة وقراءة دقيقة للحاضر وما سيتلو من تقلبات، ومع اشتداد هجمات مليشيات الانقلاب على مريس أجاد بصبره وسعة صدره نسج التوافق الحامي لوحدة الصف بتمرس مذهل، وليقينه بمدى الترابط العضوي والتاريخي الجامع بين الضالع ومريس وباقي المناطق الوسطى كان الأجدر كهمزة وصل ورمانة ميزان تضبط هذه العلاقة، ولثقة الجميع به وبصدق طروحاته وأن قست فحال العلاج مر مع تقديرنا لكل جهد العقلاء في مضمار الحرص على وحدة الموقف النابعة من مصير مشترك ثبتته أرواح الشهداء ودماء الأبطال في مواقع الشرف والبطولة.

الفقيد الجماعي بادله الناس الحب والوفاء وهو المسخر لجهده وماله في سبيل حل الخلافات الناشبة، حتى لتراه مع آخرين كفريق إطفاء لا يتوقف عن الحركة سعياً لإصلاح ذات البين في كل وقت وحين بضمير حي وذهن متقد.

تجربة الفقيد الجماعي مدرسة ملهمة لا ينضب معينها على صعيد النضال السياسي أو الإسهام الاجتماعي أو البعد الإنساني، كلها مجتمعة تعد مصدر إلهام لرفاق دربه ولكل شرفاء الوطن، وشهادة لله وللتاريخ التمست هذا أنا ومن اشتركت معهم فترة إعداد الكتاب عن حياة الفقيد، وجدنا رجلاً زهد في الحديث عن ذاته وتسجيل محطات حياته وحتى قصائده الشعرية مرات نادرة سمعته يستشهد بها، لكننا وجدنا تاريخه مدون في وجدان رفاقه وشركاء جهده الاجتماعي، وما أصدق وأروع تلك التعبيرات الشفيفة ونحن نستمع لها عند تنظيمنا لجلسات استماع لشهادات رفاقه وأصدقائه ووجاهات اجتماعية وازنة ورجال دولة وقادة عسكريين وأمنيين، مجموعها تُعد إرثاً لا يقدر بثمن، كم التأثر وحجم الحزن لرحيل الفقيد فاق المتوقع، وما أكثر العبرات وهي تخنق صوت المتحدث والمستمع، وشعرنا بصدق الكلمات ومداولاتها فهي تتناول مواقف جمعتهم برجل غادر الحياة وما عاد هناك شبهة منفعة ترتجى منه بل دافع العرفان ومحبة غرست في وجدانهم حصلها الفقيد بفعل مصداقية الموقف والكلمة واحترام الذات وتقدير من حوله والذين تعامل معهم، فذاكرة المجتمعات تحضر وتنصف لا تنسى صانع الخير ولا من حال ووقف دونه، أشهر ونحن نتحرك بحثاً عن أماكن المدونة أسمائهم في جردة تطول وتكاد بلا نهاية، فعند إجراء جلسة استماع تتوارد أسماء في سياق الأحداث حتى قررنا الاكتفاء بما لدينا والعمل عليه.

وهنا دون قطع وعد ملزم سنعمل ما أمكننا إلى ذلك سبيلاً تحويلها إلى فيلم وثائقي عن حياة الفقيد تحفظ بعض ملامح سيرته العطرة وتجربته النضالية.

تحلى الجماعي بمناقب عديدة من أهمها قدرته على احتواء من حوله حتى في أشد أوقاتهم غضباً، فقد امتلك ملكة إدارة الاختلاف وفهم سمات المحيطين به ومن يلتقيهم، ملكة سبر أغوار الآخر بما مكنه من اتباع الطريقة المثلى للتعامل بعيداً عن الصدام العدمي.

الجماعي تعبير صادق عن عطاء مريس، ودورها في صنع التاريخ، فهناك من تجعله الأقدار يتقدم الصفوف كعقل فاعل بعيد عن العقل المنفعل فيبرز دوره المهم، فما كان عالقاً في ردود الأفعال بل منهمكاً في دوره التاريخي ومهمته الوطنية والإنسانية، وعند شعوره بدنو الأجل بعد رحلة طويلة مع المرض آثر إتمام مهمته بحرص مثير للتعجب، رتب ما وجد لديه وأسند لأبنائه إكمال الجزء اليسير المتبقي ليرحل مطمئن البال بأداء الواجب.

لكنني أشعر بحزن مضاعف يتملكني حتى اللحظة لعدم تمكني من وداعه رغم تواصلنا ولقاءاتنا المتواصلة خلال العقد الأخير، كان الفقيد نعم الأب والصديق والرفيق والأخ الوفي.