آخر الأخبار

spot_img

بركُ الدمِ في ليلِ المليشيات: حين يُصلَبُ الوطنُ على خشبةِ رصاص الاغتيال

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

في البلاد التي تختنق فيها الدولة، وتصفرُ فيها أوراق القانون، وتبهت ملامح المؤسسات التشريعية والقضائية، وتغيب الديمقراطية، لا تعود السياسة حوارًا ولا التنافس مشروعًا، بل تتحول إلى فوهة بندقية، وإلى أخدود موتٍ يبتلع كل صوتٍ معارضٍ حر.

هنا في اليمن، حيث تتكاثر المليشيات كالأشباح في أدغال الجهل والعصبية، ويصبح الاغتيال معها لغةً يومية، وأداةً مألوفة لتصفية الخصوم، وإخماد كل ما تبقى من نور.

إن المليشيات لا تؤمن بالوطن، لأنها وُلدت خارجه، ولا تحترم الناس؛ فهي لا تعبّر عن قناعاتهم، ولا تعترف بالقانون لأنها نشأت على أنقاضه. إنها كيان هشّ في جوهره، لكنه متوحش في سلوكه البربري، يرى في الكلمة تهديدًا، وفي الفكر خطرًا، وفي الإنسان الحر خصمًا يجب إسكاته.

ولذلك، لم تجد وسيلةً أيسر وأقذر من سلوك الاغتيال: رصاصة غادرة في العتمة، عبوة على قارعة الطريق، أو سيارة مفخخة في مكانٍ ما، أو حزام ناسف، أو طلقة من كاتم صوت؛ ليُدفن معها السؤال! الاغتيال عند المليشيات ليس مجرد جريمة طارئة، بل هو منهج متكامل، ورسالة دامية تقول: “لا صوت يعلو فوق سلاحنا المنفلت الفاشيستي”.

إنه نهج محاولة إعادة تشكيل المجتمع على قاعدة الرعب وترمومتر الخوف، بحيث يصبح الصمت عند الناس فضيلة، والسكوت نجاة، والحياد قيدًا على الرقاب… هكذا يبدو المشهد فعلًا: وجوهٌ مُطفأة، وأرواح تجرّ بقاياها في ممرات الموت والقلق.

إن أخطر ما في نهج الاغتيالات أنه لا يستهدف الخصوم فقط، بل يضرب بقوة فكرة الدولة، ويدمر سكينة المجتمع من جذورها. حين يُغتال المعلم نهارًا يُغتال النور ويُدفن كخبرٍ مُدان، وحين يُقتل القاضي يصمت العدل، وحين يُغتال الصحفي يسكت الصوت، وحين يُغتال الناشط يُقتل الأمل، وحين يُغتال السياسي يُقتل معه الحوار؛ وكل من يجرؤ على التفكير خارج فوهة البندقية هو هدف مؤجل.

وهكذا تتآكل الحياة العامة، وتُجرف الحياة السياسية، وتغيب الدولة الضامنة، ويحل محلها فراغ مريع تملؤه قوى المليشيات؛ قوى الموت والفوضى والخوف.

إن نهج الاغتيال الذي تمارسه المليشيات في بعض المحافظات الجنوبية والشمالية ليس مجرد جريمة، بل هو إعلان حرب على الحاضر والمستقبل أيضًا. هو محاولة لاغتيال فكرة عظمى تتسرّب في العروق كالدعاء، وتُزهر في العتمة كاليقين. إنه نهج قتل الدولة كمعنى، وخنق الأمل قبل أن يتنفس.

لكن يبقى هذا النهج المنحرف، في جوهره، اعترافٌ بالعجز: عجزٌ عن مواجهة الحقيقة، وعجزٌ عن الإقناع ومواجهة الرأي الآخر.

إنه حقًا خواء فكري وتصحر سياسي تعيشه العصبيات؛ عجز عن البقاء في ساحة تنافس سياسي برامجي شريف، لا يحكمها السلاح، بل تديرها وتنظمها دولة المؤسسات.

الحقيقة المُرّة التي تقفز فوقها المليشيات المسلحة أن كل رصاصة تُطلق من بنادقها لا تقتل الحقيقة، بل تُعري قاتلها، وكل دمٍ يُسفك يتحول إلى شاهدٍ لا يموت، وإلى لائحة اتهام مفتوحة في وجه زمنٍ أغبر اختار أن يتواطأ مع المهزلة، فأصبح صمتنا شريكًا في الجريمة. فالأفكار المُستنيرة التي تُحاصر بالعنف تُولد من جديد أشد صلابة، والأصوات التي تُكمم بأسوار الخوف تعود أكثر صدى في الآذان، وإن إدمان اغتيال المعارضين الأحرار الشرفاء يبعثهم من جديد.

إن المعركة اليوم ليست بين أطراف سياسية، بل بين منطقين: منطق الدولة كضامن، ومنطق اللادولة (العصابة الدموية)، بين فكرة الوطن كبيتٍ يتسع للجميع، وفكرة الجغرافيا التي تُؤخذ خلسة كغنيمة حرب لا حياة فيها إلا لعناصر القوة الغاشمة.

إنها معركة مفصلية بامتياز بين مشروعين: مشروع للموت، ومشروع للحياة. ولا يمكن لهذا التناقض أن يستمر دون أن ينفجر في وجه الجميع، ويوضع حد فاصل ودائم لهذا الصلف.

فبرغم كل تلك الجماجم المتطايرة في الأزقة، والدم المسكوب على أرصفة الغدر، يبقى اليقين قائمًا بأنه لا مستقبل لقوى دموية طارئة يُبنى على نهج الاغتيالات، ولا سلطة تدوم باغتصاب إرادة الناس بالقوة الوحشية.

قد تُخضع المليشيات العصبوية والجهوية اللحظة، لكنها تخسر فيها الإنسان. فالتاريخ لا يحفظ أسماء القتلة بقدر ما يخلّد ضحاياهم، ولا يكتب المجد لمن أطلق النار، بل لمن واجهه مؤمنًا واقفًا.

المجد والخلود لكل ضحايا الاغتيالات السياسية في اليمن الحبيب.