آخر الأخبار

spot_img

الأزمة اليمنية المُستفحلة وأهمية تغيير دولاب السياسة السعودية

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

إن علاقة المملكة العربية السعودية بالأزمة اليمنية المستفحلة ليست هامشية ولا طارئة، بل هي علاقة متشابكة ومركّبة، تتداخل فيها الجغرافيا بالأمن، والسياسة بالعقيدة، والمصالح بالهواجس الوجودية.

في الحقيقة، إن دولاب السياسة السعودية القديم والمنغلق في اليمن منذ عقود من الزمن ساهم فيما وصلنا إليه من انهيار شامل. حيث قامت السياسة السعودية، تاريخياً، على ثلاث ركائز في اليمن:
• منع تشكّل دولة يمنية قوية مستقلة القرار.
• إدارة قوى التوازنات التقليدية الانتهازية المتخلفة القبلية والدينية والمناطقية.
• استخدام الدعم المالي والسياسي كأداة نفوذ وسيطرة، لا كرافعة لبناء دولة مؤسسات.

هذه الركائز ربما خدمت هواجس أمنية آنية في مراحل سابقة، لكنها اليوم تحولت إلى عبءٍ استراتيجي. فالفراغ الذي خلّفته الدولة الضعيفة ملأته جماعات مسلحة عصبوية، ومشاريع عقائدية عابرة للحدود، وقوى إقليمية منافسة. وهكذا، فإن إضعاف الدولة لم يعد ضمانة للأمن الإقليمي، وخصوصاً السعودي، بل تهديداً مباشراً له.

فالأزمة اليمنية ليست مجرد حروب داخل حدود دولةٍ منهكة، ولا صراعاً أهلياً بين قوى محلية متناحرة على النفوذ والثروة فقط، بل هي في جوهرها نتاج دوران اليمن داخل دولاب سياسات إقليمية صدئة تتقدمها السعودية، حيث تحول البلد من فاعلٍ تاريخي في بعض مراحله إلى ساحة اختبار، وميدان سباق، وساحة تصفيات؛ ومن دولةٍ يجب أن تكون ذات مشروع وطني تقدمي جامع، إلى رقم في حسابات الآخرين.

تنظر السعودية إلى اليمن بوصفه ملفاً أمنياً قبل أن يكون كياناً جيوسياسياً سيادياً؛ فالهواجس الحدودية، والخوف من تمدد قوى معادية، جعلا الرياض تتعامل مع اليمن كحاجزٍ واقٍ بأسلاك شائكة، لا كدولةٍ ذات سيادة كاملة.

هذه المقاربة ورثت منطقاً أو قناعة داخل دولاب السياسة السعودي القديم تقول: “الاستقرار اليمني النسبي عبر الضبط والتحكم فقط”. فالدولة اليمنية لم تُدعَم من الإقليم باعتبارها جاراً مهماً يجب أن يكون مستقراً، بل كأداة احتواء وتقييد واستهلاك واستنزاف؛ فكلما ضعفت تلك الدولة اقتصادياً وتمزقت اجتماعياً، زادت قابلية التحكم بها.

سياسياً، تنطلق تلك الرؤية السعودية من تصورٍ للسياسة بوصفها منعاً للفوضى وعدم الخروج الكامل عن السيطرة، لا من الاستثمار في بناء الدولة وتعزيز حكم المؤسسات الشرعية الحكومية. وهو تصور قصير النظر وأناني، لأن ما لا يُبنى على أسس وطنية وشرعية داخلية يعود دائماً في صورة تهديدٍ أعنف.

هذه المقاربة تنتمي إلى فلسفة سياسية براغماتية أنانية متطرفة، ترى في الدولة الوطنية الديمقراطية عبئاً ثقيلاً، وفي الفاعلين المحليين أدوات تخادم وارتزاق قابلة للاستبدال. لكنها سياسات النفوذ والاحتواء واختطاف القرار العفنة التي تُنتج دائماً استقراراً هشاً، لأنها تفصل الأمن عن الاقتصاد، والسياسة عن التنمية، والعدالة الاجتماعية.

إن المأزق الحقيقي يتمثل في خشية تحوّل اليمن إلى ما يشبه العجلة العالقة داخل دولاب سعودي ضخم؛ كل حركة تُستهلك في الدوران، وكل تسوية تُعيد إنتاج الأزمة وتدوير النفايات نفسها، وذلك التكلس العقدي الديني القبلي المتخلف، والسياسي والعسكري الانتهازي. وعليه، فإن كل وقف أو هدنة حرب هشة، من دون تسوية موضوعية شاملة، سيفتح باباً لصراعٍ دموي آخر.

إن هذه الحالة تعكس غياب “العقل الغائي” في السياسة؛ فلا أحد يسأل: إلى أي مرفأ نريد أن يصل اليمن؟ بل فقط: كيف نُدير المخاطر اليوم ونحاصر اشتعال الحرائق في الداخل؟

والسياسة التي بلا غاية تتحول إلى تقنية إدارة، لا إلى فعل تحول موضوعي تاريخي نوعي.

إن الذي أعنيه في مقالتي من تغيير دولاب السياسة السعودية عملياً اليوم، هو تغيير خط الاتجاه السياسي القديم المخاتل. ولا يعني ذلك الانسحاب أو ترك اليمن لمصيره، بل إعادة تعريف الدور السعودي المطلوب: دعم مؤسسات الدولة لا الأشخاص، والتخلي عن سياسة الرهان على وكلاء تقليديين عقائديين ومشائخ محليين فاسدين غير مرغوبين للشارع اليمني، والانتقال إلى دعم بناء مؤسسات الدولة: الاقتصاد العام، والجيش الوطني المهني، والأمن، والتعليم، والقضاء، والإدارة.

من ناحية أخرى، فإن الفاعل والفعل اليمني الوطني الغائب والمُغيّب في هذا الصراع هو الأخطر من كل ما سبق. إذ إن اليمنيين أنفسهم فشلوا في تعريف أزمتهم وحلها، وإن كانت مخرجات الحوار الوطني السابقة برعاية أممية تمثل جوهر الحكمة اليمنية وعقل وضمير اليمنيين. لكن دولاب سياسة الإقليم وحساباته، وضعف النخب السياسية الوطنية اليمنية التي تحولت إلى وكلاء بالإيجار، والقوى العسكرية إلى كشوف رواتب، والقضية الوطنية إلى خطاب بلا سيادة، كل ذلك ساهم في سقوط البلد كغنيمة حرب.

وحين تُنزع روح المبادرة والدور الفاعل من الداخل، يصبح الخارج هو من يحدد السقف، وشكل البناء، ويضبط تروس الحركة، وهو أيضاً من يمنح أو يمنع أكسجين الاستقرار السياسي.

وهنا لا تعود المشكلة في تدخل الإقليم فقط، بل يمنية أيضاً: أزمة نخبة عصبوية تقليدية تخندقت حول عكاز الغلبة والسلاح، ولم تُنتج مشروع دولة، بل أنتجت الخراب واستدعت الوصاية الخارجية بأشكال مختلفة.

عموماً، لا يمكن لليمن أن يخرج من هذا الدولاب السعودي، بالذات، ما لم يُعاد طرح السؤال الجوهري:
هل سيبقى اليمن ملفاً أمنياً؟ أم دولة تستحق مشروعاً متكاملاً قابلاً للحياة والتقدم؟

فمن دون انتقال السعودية من منطق الاحتواء إلى منطق الشراكة الحقيقية، واحترام السيادة، ودون ولادة فاعل يمني مستقل فكرياً وسياسياً، ستبقى الأزمة تدور… حتى لو تغيّرت وجوه اللاعبين.

فمن عمق المأساة اليمنية هناك درس سياسي قاسٍ يقول:
إن السياسة التي تنفصل عن الأخلاق والمبادئ لا تنتج استقراراً، والقوة التي لا يحكمها معنى وطني قومي عروبي تتحول إلى مأزق على الجميع، والدولة التي لا تُبنى بإرادة وعقول وسواعد أهلها تبقى مشروعاً مؤجلاً مع الزمن.

اليمن اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من “الترتيبات”، و“المحاصصة”، و“المراضاة”، بل إلى كسر ذلك الدولاب السياسي القديم للسعودية؛ أي كسر صندوق شراء التبعية، وتفكيك شبكة القوة التقليدية المشيخية القبلية والدينية والعسكرية التي ارتهنت منذ زمن طويل.

والانتقال من سياسة إدارة الخراب إلى سياسة بناء مؤسسات الدولة… هذا ما ننتظره قريباً من الأشقاء السعوديين: توحيد الجيش والسلاح تحت سلطة شرعية، تُنهي اقتصاد الحرب والتهريب، تُغلق المجال أمام المليشيات العابرة للحدود، وتخلق شريكاً مستقراً أمنياً واقتصادياً يمكن التفاهم معه، بدلاً من إدارته بالأزمات.

أما الاستمرار في إدارة قوى توازنات اللحظة، وتفكيك السلطة بين قوى متنازعة، فسيُبقي اليمن ساحة مفتوحة، قابلة للاشتعال في أي لحظة، وقابلة للاختراق من أي خصم إقليمي. لذا ننتظر، على أمل، تغيير السعوديين لدولابهم السياسي القديم، حتى لا يبقى يدور في الاتجاه ذاته، ويستنزفنا على نحوٍ نهائي.