آخر الأخبار

spot_img

اختلال السيولة في اليمن.. دراسة تكشف فجوة “النقد الفاعل” وتقترح مسارات إصلاح تدريجية

“صحيفة الثوري” – (إقتصاد):

كشفت ورقة بحثية حديثة أعدها الباحث الاقتصادي وحيد الفودعي، بعنوان: “أزمة السيولة في اليمن: تحليل متعدد الأبعاد للأسباب والاختلالات ومسارات المعالجة”، صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، عن تعقيدات أزمة السيولة في اليمن، مؤكدة أنها ليست مجرد نقص في النقد، بل نتيجة تفاعل اختلالات كمية وهيكلية وسلوكية أثرت على كفاءة الدورة النقدية وأضعفت النشاط الاقتصادي.

وقدمت الورقة تحليلاً متعدد الأبعاد يغطي الفترة بين 2017 و2025، مستندة إلى مؤشرات نقدية واقتصادية، إلى جانب قراءة تفسيرية لسلوك الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات، بهدف فهم طبيعة الأزمة وتحديد أسبابها ومسارات معالجتها.

وأظهرت النتائج وجود فجوة متزايدة بين النمو الاسمي للاقتصاد والنمو المحدود للسيولة النقدية، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من نحو 9.9 تريليون ريال في 2017 إلى أكثر من 36 تريليون ريال في 2025، بنسبة نمو تقارب 264%، مقابل زيادة في النقد المتداول خارج البنوك من 1.53 تريليون إلى 3.27 تريليون ريال فقط، بنسبة 114%. وتفاقم هذا الاختلال خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تتجاوز الزيادة في النقد المتداول 4% بين 2022 و2025، مقابل نمو في الناتج بنحو 37%.

كما سجلت نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي تراجعاً ملحوظاً من مستويات تراوحت بين 15% و20% إلى نحو 9% فقط في عامي 2024 و2025، بالتزامن مع ارتفاع سرعة دوران النقد إلى أكثر من 11 مرة، ما يعكس تصاعد الضغط على الكتلة النقدية المتاحة.

وأشارت الورقة إلى أن نحو 30% من النقد المتداول فقد فاعليته جزئياً أو كلياً بسبب التلف وعدم الاستبدال، بما يعادل قرابة 981 مليار ريال في 2025، الأمر الذي يقلص السيولة الفعلية ويخفض نسبة النقد المتداول إلى الناتج إلى نحو 0.063، في حين ترتفع سرعة دوران النقد إلى نحو 15.8 مرة، وهو ما يعكس ضغطاً أعلى على السيولة الفاعلة.

وبيّنت الدراسة أن الأزمة لا تقتصر على الأبعاد الكمية، بل تتفاقم بفعل اختلالات هيكلية، أبرزها تركّز ما بين 90% و97% من العملة خارج الجهاز المصرفي، وضعف كفاءة توزيع السيولة، وتراجع الثقة بالبنوك، واتساع سلوك الاكتناز، إضافة إلى ضعف إدارة السياسة النقدية وعدم انتظام تدفق الإيرادات العامة عبر البنك المركزي، وتعثر صرف الرواتب، واتساع القنوات النقدية غير الرسمية.

وأكدت الورقة أن جوهر الأزمة يكمن في اتساع الفجوة بين السيولة الاسمية والسيولة الفاعلة، أي النقد القابل للتداول الفعلي، محذرة من أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى تعثر المعاملات اليومية، وتراجع الكفاءة الاقتصادية، وزيادة كلفة المبادلات، وتآكل الثقة المصرفية، والاقتراب من حالة ركود تضخمي.

وفي ما يتعلق بالحلول، شددت الدراسة على ضرورة تبني حزمة سياسات متكاملة لإعادة انتظام الدورة النقدية وتعزيز الوساطة المصرفية، مقترحة البدء بإعادة بناء السيولة الفاعلة عبر طباعة نقد محلي لأغراض إحلالية واحتياطية، يمكن تقديره مبدئياً بنحو 800 مليار ريال، على أن يُخصص جزء منه لاستبدال العملة التالفة، مع الاحتفاظ بالباقي كمخزون احتياطي.

كما أوصت بتحسين توزيع السيولة، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، وتشديد الرقابة على القنوات النقدية الموازية، ومنع شركات الصرافة من ممارسة الأعمال المصرفية، وإعادة انتظام الإيرادات العامة عبر البنك المركزي، وضمان صرف الرواتب بانتظام، إلى جانب تسريع إنشاء نظام وطني موحد للمدفوعات الرقمية.

وفي المقابل، حذرت الورقة من اللجوء إلى الإصدار النقدي كحل مباشر، مؤكدة أنه يجب أن يظل خياراً أخيراً ومشروطاً بضوابط صارمة، لتجنب أي ضغوط تضخمية إضافية أو اضطرابات في الاستقرار النقدي.