آخر الأخبار

spot_img

محافظة شبوة حيث تختلط رائحة النفط بتراب الفقر وتتعانق مع الحرمان

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

في مشهد يكاد يكون تجسيدًا حيًا لمأساة اليمن الكبرى، يقف الإنسان الشبواني على حافة السؤال: كيف تتحول الأرض الغنية إلى ساحة صراع وتهميش وفقر، بدلًا من أن تكون منبعًا للحياة؟

شبوة ليست مجرد محافظة في خارطة الوطن اليمني، بل قلب نابض بالثروات، وعمق استراتيجي يتحكم بمفاصل الاقتصاد، من حقول النفط إلى الموانئ الحيوية، إلى الطبيعة وما تحتويه في باطنها. ومع ذلك، ظلت رهينة لصراعات القوى، وميدانًا لتجاذبات الداخل والخارج، حتى باتت الاستقلالية فيها فكرة مؤجلة، والقرار فيها موزعًا بين قوى لا ترى في الإنسان الشبواني إلا رقمًا في معادلة النفوذ.

إن ما تعيشه شبوة اليوم ليس أزمة طارئة، بل هو نتيجة تراكمات من التهميش، وسوء الإدارة، وغياب مشروع الدولة ومشاريعها التنموية هناك. فحين تُختطف الدولة، تتحول المؤسسات إلى هياكل مُفرغة، وتُختزل التنمية في برامج على الورق وحُزم وعود، ويُدفع المواطن إلى هامش الحياة، كأنه لم يكن يومًا صاحب الأرض.

في شبوة، تتجلى المفارقة القاسية: أرض تفيض بالثروة، وشعب يبحث عن لقمة العيش وفرص العمل، موارد تُنهب، وخدمات تتآكل، وأمن يتأرجح بين هدوء هش وانفجار محتمل. هذه ليست مجرد إخفاقات، بل هي جريمة سياسية تُرتكب بحق الإنسان والتاريخ والمستقبل هناك منذ عشرات السنين. فليست المأساة في الفقر وحده، بل في ذلك الإحساس العميق بأنك تُنسى عمدًا، كأنك خارج الذاكرة، خارج الحلم، خارج الوطن اليمني. أن ترى ثروتك تُقتلع من بين يديك لمنظومة الفساد، ثم تُترك لتواجه العدم، فذلك وجع لا يُحتمل… وجع يشبه أن يُنتزع القلب من الجسد، ويُطلب منه أن يستمر في النبض.

شبوة… يا وجع الأرض حين تُترك وحيدة، ويا أنين الجغرافيا حين تُسلَب منها روحها. كم من مرة نادتك الحقول فلم يجبها أحد؟ كم من مرة صرخت الآبار وهي ترى خيراتها تُنزف بعيدًا عنها، كأنها لم تُخلق لأبنائها، بل لآخرين لا يعرفون طعم الملح في عرق الفلاحين؟

هناك، كل شيء مكسور… الطرقات كأحلام العابرين، والمنازل كقلوب أُفرغت من الطمأنينة، والوجوه شاحبة أنهكها التعب. حتى الهواء لم يعد نقيًا كما كان؛ صار محمّلًا بحكايات القهر، كأن كل ذرة فيه تحمل ذكرى خذلان وجزيئات تلوث.

فشبوة، بتاريخها النضالي، لم تكن يومًا أرضًا سهلة الانكسار. من جبالها إلى سواحلها، يعلو صوت الكرامة ويرتفع السؤال المشروع: إلى متى؟ في الحقيقة، إن شبوة، كبقية المحافظات، تنشد حضور برامج الدولة الغائبة!!

يا شبوة، إنكِ لا تحتاجين من يرثيكِ فقط، بل من يفهم وجعكِ كعبادة، ومن يرى في صمتكِ صرخة، وفي دموعكِ عهدًا لا يُنكث.

فالمأساة فيكِ ليست نهاية الحكاية… بل بدايتها، إن وُجد من يقرأ الألم كما يُقرأ النور، ومن يؤمن أن الأرض التي تنزف… لن تنزف طويلًا.

إن اللحظة اليوم تتطلب ما هو أكثر من توصيف الألم وحجم المأساة، بل إنها لحظة الفعل ومواجهة ملفات الاستحقاقات الخاصة بالناس. إنها لحظة استعادة القرار للمحافظة، وبناء مشاريع التنمية المؤجلة التي تعيد للإنسان الشبواني اعتباره، وللثروة معناها، وللأرض سيادتها.

فشبوة شبت على الطوق، لا تحتاج وصاية من أحد، بل تحتاج إرادة صادقة، وقيادة تنتمي لها وإلى نسيجها الاجتماعي، لا تتاجر بها. لأن شبوة ليست مجرد جغرافيا تُدار، بل قضية تُسترد. وإذا لم تُسترد اليوم، فمتى؟ وإن لم يستردها ويبنيها أبناؤها، فمن؟