“صحيفة الثوري” – (ثقافة):
عبدالباري طاهر
الساردون العرب كثيرون، وقليلٌ منهم من درس البيئة العربية والواقع، ويأتي عبدالرحمن منيف في الصدارة. فهو، كما قال الناقد الكبير جبرا إبراهيم جبرا عنه وعن الرواية، في رسالة وجهها لعبدالرحمن منيف ونُشرت في غلاف «التيه»: «لا أظن أن كاتبًا عربيًا – روائيًا أو غير روائي – كتب في الماضي شيئًا يقارب ما كتبت في هذه الرواية». ورأى فيها نفسًا ملحميًا لم يُعرف مثله في أي عمل روائي عربي.
وقرأ فيها الناقد المبدع الدكتور فيصل دراج نصًا مؤسسًا يقرأ الزمن العربي في القرن العشرين، ويقرأ فيه مصائر المجتمعات العربية المختلفة (1). وفي قراءة أخيرة للرواية، تتبعتُ الأسماء الواردة في الجزء الأول «التيه». فالرواية خمسة أجزاء: «التيه»، «الأخدود»، «تقاسيم الليل والنهار»، «المنبت»، «بادية الظلمات». كما تتبعتُ أسماء الأماكن: القرى، والمدن، والمناطق، والوديان، وأسماء الأشخاص. فالأماكن متخيلة ومستعارة، وهي – على كثرتها – مستعارة من المناطق العربية، وسأقوم بنشرها في النهاية.
تبدأ الرواية من «وادي العيون»، وهو واحة في الصحراء يقطنها بدوٌ آتون من بيئة الصحراء، يستقبلون القوافل الآتية، مقبلة وذاهبة من مختلف المناطق. ويتأنق السارد في وصف مائها العذب، وهوائها النقي، وسهلها الساحر، ويستغرب كيف انشقت الصحراء القاسية العنيدة عن هذه الواحة الخصبة الفاتنة، أو كأنها هبطت من السماء مزدانة بالأثل والنخيل، ومحفوفة بناسها الطيبين.
يسرد مطولًا جمال بيئة الوادي، وقيم أهله وكرمهم، وحسن تعاملهم مع القوافل الوافدة والذاهبة، ويذكر منابتهم، والصحراء القاسية التي أنجبتهم، وطرائق مأكلهم ومشربهم، وعاداتهم وتقاليدهم؛ مشيدًا بأمانتهم وصدقهم، وحبهم للضيف، ودفاعهم عن الحق والكرامة. كما أن مداومتهم على التمر واللبن تترك آثارًا على أجسامهم. فهم لا يأكلون اللحم إلا نادرًا، كما أنهم مشغولون بحب الهجرة.
البطل «متعب الهذال» و«جازي الهذال» قادا المقاومة ضد الأتراك، وواصل متعب المواجهة ضد الأمريكيين المستعمرين الباحثين عن النفط، والمهددين لقيم وعادات وتقاليد «وادي العيون». والبطل الأسطوري متعب الهذال، المتحدر من الصحراء القاسية، يجد نفسه في مواجهة مع بعثة الباحثين عن النفط تحت ستار البحث عن الماء.
ينشرون الموت في كل مكان؛ يقتلعون الأشجار، ويهدمون الأحياء الفقيرة، ويشردون الحيوانات، ويغيرون كل معالم الحياة في البيئة البدوية النقية. ويحدد السارد مساحة الوادي بثلاثة أميال أو تزيد قليلًا، تتناثر فيه أشجار النخيل، والأثل، والسدر، والشيح القصير المستدق. كما يرسم حدود الصحراء وأسماءها، فطبيعة الصحراء تجعل للأسماء أهمية تفوق غيرها، وتخلقها الطبيعة ذاتها.
يعيش منيف حالة أهل الوادي في السراء والضراء؛ ففي أزمنة الخير يزدهر الكرم والاندفاع للعمل والتعاون والتواصل والبناء، وفي أزمنة القحط يعتصمون بالصبر، ويندفع الشباب للهجرة.
يمقتون المساومة في البيع والشراء، ويقولون: «هؤلاء التجار شياطين في ثياب بشر؛ لأنهم لا يعرفون الحلال، ولا يخافون من الحرام». وإذا تصدى من يقول إن التجارة تعتمد على المساومة والمفاوضة ثم الرضا في النهاية، وأن مال التجارة حلال مثل مطر السماء، ينظر إليه أهل الوادي بنوع من الشفقة الممزوجة بالسخرية، ويقولون: «كيف يتساوى من يعمل طوال العام لكي يكسب رزقه بمن يربح أكثر المال في لحظة؟» (2).
يقرأ الفقر في عشيرة «العتوم» بوادي العيون بشكل خاص، وفي الوادي عمومًا. ويتتبع احتفالات «الهذال» بميلاد أولاده، واحتفالات الوادي معه بإطلاق الرصاص، ويرى أن الحياة مهما قست عليهم لا يمكن أن تطحنهم، وأنهم إذا أحبوا أعطوا كل شيء (3).
«متعب الهذال» وابنه «جازي» انزرعا في هذا المكان كأشجار النخيل. والجزء الأول من الرواية سرد مترابط متشابك متكامل في 582 صفحة، يستخدم السارد فيه صفحات بيضاء أو نقاطًا سوداء كفواصل وعلامات للانتقال من فصل إلى آخر، أو من موضوع إلى آخر.
تُصيب الدهشة متعب عندما يقول له ابنه: «عند ابن الراشد ضيوف غرباء». قال ذلك بصوت حاد وعصبي.
«من الفرنج، ويتكلمون بالعربي». رفع أبوه عينيه متسائلًا.
«ثلاثة أجانب، ومعهم اثنان من عرب الزور، ويتكلمون العربية بطريقة مختلفة عن طريقتنا؛ بطريقة مضحكة، ولكن يمكن أن تفهم ما يقولون» (4).
تغير وجه أبيه، وكانت تلك البداية. بدأ الحوار بين «فواز» وأبيه، الذي بدا عليه التغير. وفواز هو الابن الأكبر لمتعب بعد أن فقد بكره.
يسأل الأب: «وعرفت منين هم؟ ويش يريدون؟».
«الناس حول المضيف» – يقصد مضيف ابن الراشد، المسؤول الأول – «يقولون إنهم نصارى، ويقولون إنهم جاءوا للبحث عن الماء».
وبدأ التنقيب عن النفط باسم البحث عن الماء، وهو ما شكك فيه متعب الهذال، وروّج له ابن الراشد، وتابعه كثيرون من أهل الوادي.
يقول متعب: «أكيد هؤلاء لم يأتوا من أجل الماء، إنهم يريدون شيئًا آخر. وأية أشياء في هذه الفلاة غير الجوع والرمل والحجاج؟» (5).
ويومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، يزداد تشاؤم متعب الهذال، وتزداد شكوكه، ويحس أن أمرًا خطيرًا يوشك أن يقع، وإن كان لا يدري ما هو ولا متى سيقع.
وبدا ابن الراشد مختلفًا بعد وصول الجماعة، فكان يصطف معهم ويوافق على كل ما يقولونه بحجة أنهم ضيوف. فصرخ فيه متعب: «اسمع يا ابن الراشد، نأكل التراب ونقدم للضيوف أولادنا، لكن لا نرضى أن نهز رؤوسنا مثل العبيد لكل كلمة يقولونها» (6).
بعد سبعة عشر يومًا رحل الأمريكيون، ومعهم الدليلان، وكان رحيلهم إلى الداخل، لا من حيث أتوا. أما متعب الهذال فلم يقتنع بهذا الرحيل، واعتبره دليلًا على الشؤم، وقال: «الجماعة عندهم سالفة، والماء حجة» (7).
يسرد منيف حالة الوادي عند هطول الأمطار، وأثرها الكبير على الحياة، كما يتحدث عن الجَدْب وقسوته ودفعه الشباب إلى الهجرة. وتأخذ هجرة الشباب «الحوش»، ويظهر أثر غيابه على أمه، التي تمثل الصورة الشعبية لأهل الوادي في انتظار المجهول.
تتساءل أم الحوش عن سر مجيئهم، وهل جاءوا ليصالحوا على دمه، أم أنهم يعرفون قاتله؟ وكانت تتعجب من الأموال التي يدفعونها مقابل أشياء بسيطة، فتقول: «هل هم مجانين ليدفعوا كل هذه الفلوس لو لم يكونوا قد قتلوه؟» (8).
وعندما يعود الأمريكيون، ترابط أم الحوش أمام مضيف ابن الراشد، تراقبهم بقلق وحذر، وتصرخ: «سيُحرَق هذا الوادي، وأنت أصل البلاء!» (9).
يهتم أهل الوادي ببستانها الذي أهملته، بينما يظل متعب الهذال الأكثر اهتمامًا بها وحمايةً لها. ويعود الأمريكي الذي سمى نفسه «عبدالله»، فيلقبه متعب بـ«النحس»، بينما يسميه أهل الوادي «الغراب».
عاد ومعه آخرون، وعدد من رجال الأمير، وعدد كبير من الأجانب، ونصبوا الخيام، وبدأت الآلات تدوي، والأضواء تخطف الأبصار. فقال متعب: «ارجعوا يا أهل وادي العيون، إذا لم ترجعوا حرقتكم النار، وما بقي منكم أثر!» (10).
رحل متعب بعيدًا، وعند عودته كان أشد يأسًا ووعيًا، وقال: «اليوم هو يوم القيامة… رأيت الحديد يمشي على الحديد» (11).
يصور منيف حالة التردد والارتباك والعجز، ويصب الغضب على ابن الراشد، بينما يعيش أهل الوادي حالة من الحيرة والخوف وعدم إدراك ما يجري.
ويقول السارد إن إطلاق الصفات على الغرباء كان ضرورة لتمييزهم، فسموا أحدهم «الغراب»، وآخرين بأسماء مثل: الأكحل، البطين، الجربوع، وغير ذلك (12).
ويبرز تبدل طباع أهل الوادي بين الرخاء والجَدْب، كما ينقل الحوار مع الأمير، الذي يكشف حقيقة النفط بوصفه «بحارًا من الذهب» تحت أقدامهم (13).
وينتهي الحوار بتصاعد التوتر بين متعب الهذال والسلطة، حيث يظل وحيدًا في مواجهة ما يحدث، بينما يقبل الآخرون بالأمر الواقع.
عاد متعب إلى الوادي، فأدرك الناس أن الأمور ليست بخير، وأصيب بحمى قاتلة، وجرى تهميشه. لكنه صرخ لاحقًا: «وصلت العفاريت، ولازم نضربها… إذا بقينا مثل الخشب، راح تأكلنا»؛ معلنًا نهاية مرحلة وبداية أخرى.
ويختتم المشهد بصورة مأساوية، حيث تهجم الآلات على الوادي كذئاب جائعة، تطيح بالأشجار والمباني، ويبكي متعب كطفل، ثم يبتعد حتى يتلاشى ويختفي…
———-
(1) الرواية وتأويل التاريخ، فيصل دراج، ص 249.
(2) مدن الملح: التيه، عبد الرحمن منيف، ص 13–14.
(3) المصدر نفسه، ص 16.
(4) المصدر نفسه، ص 30–31.
(5) المصدر نفسه، ص 33.
(6) المصدر نفسه، ص 36–37.
(7) المصدر نفسه، ص 46.
(8) المصدر نفسه، ص 63–64.
(9) المصدر نفسه، ص 62.
(10) المصدر نفسه، ص 70.
(11) المصدر نفسه، ص 72.
(12) المصدر نفسه، ص 81.
(13) المصدر نفسه، ص 85–87.
(14) المصدر نفسه، ص 87–88.

