آخر الأخبار

spot_img

أمن اليمن ليس امتداداً لأمن الخليج… بل هو شرطه الأول

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

حروبٌ مستمرةٌ تتناسل على بقعٍ مختلفةٍ من الأرض؛ تشتعل ثم تنتهي بهدنٍ أو باتفاقياتٍ تُفرض بشروط القوي على الضعيف، أو المنتصر على المهزوم، وما تخلّفه تلك الحروب من تمزّقٍ في النسيج البشري، ودمارٍ في الاقتصاد والبنى التحتية.

والخليج، في هذه المعركة اليوم، ليس مجرد جغرافيا من ماءٍ وملح، ولا هو ترفٌ يمر على ضفاف التاريخ وتخوم الحدود، بل إنّه معنىً يتشكل كل يوم، ووعيٌ يتنفس من حوله. وحين نحدّق جيداً في أمنه، لا نراه يكمن في صخب تكنولوجيا الأسلحة الدفاعية والهجومية الحديثة، ولا في تحالفاته المختلفة، ولا في صرامة الحدود، بل نراه في انعكاس اليمن… ذلك الوجه المُتعب الذي يحمل سرّ التوازن وامتحان الحقيقة. فمن يظن أن الخليج يمكن أن يُحصّن نفسه بعيداً وبمعزل عن اليمن، كمن يبني قصراً على حافة زلزال، ثم يطمئن إلى صلابة الجدران وينسى اضطراب الأرض.

اليمن ليس خاصرة الخليج الرخوة كما يُعتقد، بل روحه التي إن اختنقت اختنق معها الوضع هناك، حيث تتداخل الجغرافيا مع القدر، وحيث تتحول السياسة إلى امتحانٍ أخلاقي.

لا يعود الأمن مسألة حدودٍ أو جيوش، بل يصبح سؤالاً وجودياً: هل يمكن أن ينجو الجسد (الخليج) إذا تُرك القلب (اليمن) ينزف؟

هناك، في قلب الجزيرة العربية، حيث تُمزّق اليمن وتُدمّر قطعةً قطعةً تحت ثقل حرب المليشيات الحوثية الإيرانية وعبث الجهويات والعصبيات الأخرى، لا تسقط المدن وحدها، بل يسقط جزءٌ من يقين الخليج العربي بذاته؛ لأن الأمن، في جوهره، ليس ما نحرسه، بل ما نحميه في داخلنا من القلق الدائم ومن الانكسار على سطح مرآة.

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن الخطر لا يأتي فقط من صعود قوى مليشياوية عقائدية ممثلة بالحوثيين كذراع نفوذ إيراني، بل من ذلك الفراغ العميق الذي سمح لهم بالتمدد وأن يكونوا على ما هم عليه. الفراغ الذي تولّده السياسة الهوجاء، والحروب حين تُدار بلا أفق، والصراعات الحزبية العقيمة حين تُبنى على ردّ الفعل لا على البرامج. وحين يُترك الشارع للفراغ، فإنه لا يبقى أجوفاً، بل يمتلئ بقوى تُعيد تعريف المعادلة وتفرض شروطها على الجميع.

إن الخليج، في ظاهره، يبدو محاطاً بالقوة والقدرة الهائلة، لكنه في باطنه يدرك أن الاستقرار لا يُستورد، ولا يُحمى بالتحالفات فقط؛ فكل تحولٍ في اليمن، وكل صعودٍ لقوةٍ غير منضبطة في داخله، هو ارتجاجٌ ضخم في عمق التوازن الخليجي.

ليس لأن الحوثيين مجرد خصم، بل لأنهم عنوان لخللٍ أكبر: خلل الدولة حين تضعف، وخلل النخب حين ترتهن، وخلل الإقليم حين يتردد في صناعة الحل.

في البعد الفيزيائي يُقال إن “الخلل أو الاضطراب في طرف الأرض هو انعكاس لاضطراب المركز”.

واليمن، بهذا المعنى، ليس طرفاً، بل مرآةٌ عاكسة؛ فإذا استقر وازدهر انكشفت الطمأنينة والسكينة في الخليج، وإذا اضطرب ظهرت الشقوق مهما بدت الجدران صلبةً متماسكة.

إن من يقف على خرائط الجغرافيا الصلبة يدرك أن السيطرة على مضيق باب المندب تعني امتلاك مفتاحٍ حيوي من مفاتيح النظام الاقتصادي الإقليمي والعالمي. ذلك المضيق ليس مجرد ممر مائي؛ إنه نقطة ارتكاز في معادلة الطاقة والتجارة، تربط بين الشرق والغرب. وعليه، فإن اليمن المنكوب هو عقدةٌ جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح العالم؛ فكل سفينةٍ تعبر، وكل برميل نفط يُشحَن، وكل تجارةٍ تمر، إنما تمرّ عبر استقرار اليمن أو فوضاه.

ومن هنا، يصبح أمن الخليج العربي ليس منفصلاً عن الوضع في اليمن، بل مشروطاً به، ومتداخلاً في تفاصيله، ويجب أن يُدرج عند أي اتفاق أو تسوية.

وهنا تتجلّى المفارقة الحقيقية: كلما حاول البعض احتواء اليمن كملفٍ أمني فقط، تحوّل إلى مصدرٍ أعمق للقلق؛ لأن اليمن لا يُحتوى ولا يُسلب… اليمن يُفهم جيداً، يُحتضن، ويُعاد بناؤه من جذوره. وأي محاولةٍ للالتفاف على هذه الحقيقة ليست سوى تأجيلٍ لانفجارٍ أكبر. لقد أخطأ الخليج حين ظن أن الأمن العام يُبنى بالجدران والأسلاك الشائكة، وأن الخوف يمكن احتواؤه بالقوة، بل الحقيقة أن الخوف كالفيضان… إن لم نحتوه ونتعامل معه جيداً، تسلل من كل شق ووجد طريقه إلى الداخل. واليمن، في هذا المعنى، ليس أزمةً، بل اختبارٌ داخلي وخارجي لصدق الرؤية ونقاء المقصد.

أيها الخليج العربي، إن كنت تبحث عن أمنك الحقيقي، فلا تنظر بعيداً، بل انظر بعمق وموضوعية إلى اليمن، لا كتهديدٍ عسكري قادم فحسب، بل كأمانةٍ ومسؤولية وضمير؛ لا كعبءٍ وقلق، بل كقدر. فالأمن الذي لا يُبنى على تسوية وضع وعدالة الجوار هو وهمٌ مؤجل، والاستقرار الذي يتجاهل صرخات القريب هو هشاشةٌ تنتظر لحظة الانكشاف الحقيقي.

ليس المطلوب أن تُنقذ اليمن من باب الشفقة، بل من باب الوعي العميق بأن إنقاذه هو إنقاذٌ للذات والمعنى الخليجي، وأن يُعاد له دولته، والاستثمار في بناء مؤسساته ودوره وتوازنه… لأن كل يومٍ يظل فيه اليمن مضطرباً، متفجراً بفعل انفلات قوى المليشيات الإيرانية وغياب الدولة الطويل، هو خصمٌ قوي وتهديد كبير يُضاف إلى رصيد القلق الأمني في الخليج العربي.

إنها لحظة الحقيقة: إما أن يُعاد تعريف الأمن الخليجي اليوم بوصفه مشروعاً مشتركاً يراعي وضع الجوار، أو يبقى الجميع أسرى دوامة صراع لا تنتهي. فنهاية الحرب اليوم ليست نهاية الحكاية، بل بداية ما بعدها، حيث سيكون اليمن مفتاحها.

فالحرب التي تُدار الآن في المنطقة يجب أن تنتهي متزامنةً مع تغيير معادلة موازين القوى في الداخل اليمني. فاليمن اليوم ليس طرفاً بعيداً في معادلة الاستقرار الإقليمي الشامل، بل مركز ارتكازٍ تتقاطع عنده مخاوف الخليج وآماله. ففي كل موجةٍ تعبر البحر الأحمر حكايةٌ غير مكتملة، وفي كل ريحٍ تهب من حدود الجنوب أنينٌ خفي يذكّر بأن الاستقرار في الجزيرة العربية ليس قراراً سياسياً فحسب، بل موقفٌ أخوي مبدئي صادق؛ لأن البحر الذي يجمعهم، إن غضب لن يفرّق بين شاطئٍ وآخر.

وهنا فقط تتفجّر الجملة بكل معناها:
“أمنُ اليمن ليس امتداداً لأمن الخليج… بل هو شرطه الأول”.