“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد فاضل الفقيه
في زوايا البيوت المتعبة، وبين أزقة المدن التي أنهكها الأنين، تسكن تراجيديا كبرى لا يكتبها المؤرخون، بل تسطرها دموع الأمهات ونظرات الأطفال الذين شاخوا قبل الأوان. إن ما يحدث اليوم للطفولة في وطني ليس مجرد غياب للأجساد الغضّة تحت ركام القصف، بل هو اغتيال ممنهج لمعنى “المستقبل” في أسمى تجلياته.
إن آلة الحرب الصمّاء لا تكتفي بتمزيق الأجساد، بل تلتهم “الزمن” الخاص بهؤلاء الصغار. فبينما يُفترض بالطفل أن يتعلم أبجدية الحلم، يجد نفسه مُرغماً على فك رموز النجاة، ومواجهة وحش “الفقر المدقع” الذي ينهش في ملامحه النحيلة، حتى تغدو العظام شاهدة على قسوة عالم تجرد من إنسانيته.
أنياب الجوع ومخالب البارود
لا فرق في لغة الوجع بين رصاصة تخترق صدراً صغيراً، وبين شبح جوعٍ كاسر يطفئ بريق العينين؛ فكلاهما وجهان لعملة الموت الواحدة. فالطفل الذي ينجو من شظية طائشة يقع فريسةً لخديعة الجسد، الذي لم يعد يجد ما يقتات عليه سوى بقايا صموده. إنها سوسيولوجيا الانكسار في أبشع صورها؛ حيث يتحول المهد إلى لحد، وتصبح اللعبة قطعة من حطام، ويغدو رغيف الخبز حلماً بعيد المنال، كأنه نجمة في سماء مظلمة.
صمت العالم وصراخ التراب
كيف يمكن للتاريخ أن يفسر صمته أمام طفل يمني يرحل في صمت مطبق، دون أن يترك خلفه سوى “شنطة” مدرسية ممزقة، أو حذاءً قديماً كان ينتظر العيد؟ إن موت الأطفال بسبب الفقر والمرض والحرب هو إدانة صارخة لكل النظريات الأخلاقية والسياسية. إنها اللحظة التي يسقط فيها القناع عن وجه الحضارة الحديثة، لتكشف عن مأساة “الإنسان” الذي بات أرخص من ثمن الرصاصة التي تقتله.
إن كل طفل يرحل في وطني هو “قصيدة” لم تكتمل، و”لوحة” طُمست ألوانها قبل أن تجف. هو صرخة في وجه الضمير العالمي الذي بات يتقن فن المشاهدة، بينما يُوارى الثرى أطهار الأرض في جنازات صامتة، لا يكسر هيبتها سوى حفيف الريح وصوت البكاء المخنوق.
ستبقى دماء هؤلاء الصغار، الذين غادروا وهم لا يدركون لِمَ تقاتل الكبار، وصمة عار في جبين كل من أشعل فتنة أو بارك جوعاً. سيظلون هم الحقيقة الوحيدة وسط ركام الأكاذيب، وهم الشهود على زمن عزّ فيه الخبز، واستُبيحت فيه قدسية البراءة.
هامش مفاهيمي
* الأجساد الغضّة: يُقصد بها لغوياً الأجساد الطرية والحديثة التي لم يدركها الذبول أو الخشونة بعد. أما دلالياً، في سياق القراءات الفلسفية والاجتماعية، فهي ترمز إلى “الإنسان الخام” في حالة البراءة الأولى والهشاشة الوجودية؛ تلك الأجساد التي تمثل الإمكانية الكاملة والوعود التي لم تتشكل أو تتصلب بعد بفعل الصراعات أو الأيديولوجيا أو تقادم الزمن، مما يجعلها الأكثر عرضة للتأثر بتبدلات الواقع العنيف أو التحولات السوسيولوجية الحادة.

