صحيفة الثوري – كتابات:
جولان الوريدي
في إحدى الأيام جلست وحدي على حافة جبل صبر،
الضباب يتدلّى من كتف المدينة كعباءةٍ من الأسرار،
وضعتُ سماعاتي،
وتركتُ أغنية “محلا هواك” تنساب داخلي.
الأغنية التي لا تُشغَّل، بل تُوقَظ مثل روحٍ نائمة.
وبين كل “هواك”كانت تتفتح أمامي ذاكرةُ لحن لمدينة كاملة
أمسكتُ دفتري الصغير، الدفتر الذي رافقني طوال شهرين كاملين وأنا أنقّب في دهاليز اللون التعزي، أفتش عن صوته القديم، عن نبرةٍ تاهت بين الناس، وعن لحنٍ ظلّ واقفًا أمام الباب ولم يكبر.
دفتر الشهرين الذي حفرت فيه مثل منقّبٍ عن حضارةٍ ضائعة.
كنتُ أكتب كل فرضية، كل احتمال، كل صوتٍ يأتي من الماضي:
لماذا توقف اللون التعزي عن التجدد؟
بينما الألوان التي وُلدت معه، بل دونه، ما زالت تكبر وتعبر الزمن بخفة؟
لماذا جفّت ينابيعه بينما الألوان الأخرى ما زالت تتجدد؟
هل لأننا تركناه وحيدًا وسط الحقول؟
أم لأننا أغلقنا الأبواب التي كانت تفتحها الطبيعة في وجوهنا؟
وبينما تتكرر في أذني عبارة “محلا هواك محلا هواك”
أحسستُ أن الأغنية هي من تسألني هل توقّف اللون التعزي لأنه ارتبط بالطبيعة أكثر من الناس؟
هل لأن ألحانه كانت تُخزن في تجاويف الجذوع،
وتتكوّن بين أوراق الذرة، وتتشكل على إيقاع أقدام الفلاحين؟
هل لأن الموسيقى كانت صدى العصافير لا صدى المكبرات؟
هل لأن اللحن يولد بين احضان الطبيعة لا في الاستديوهات؟
هل مات؟
أجبته بالتأكيد توقف اللون التعزي، لأنه كان يعيش في الهواء الطلق، في التراب، في المطر بين نسماتٍ تهب من سفح صبر،
من وقع منجلٍ على سنبلة، من خفقة جناح عصفور ولحن يتخمر داخل الجرار
لونًا يعيش على نسيم الجبال وعلى موسم الحصاد، على حبٍّ عذري بسيط وعلى صوت امرأة تفتح النافذة فتهرب الموسيقى من أصابعها
اللون التعزي لم يمت، بل اختبأ.
اختبأ بين الأغصان، في ظلّ شجرة سدر قديمة،
في هديل يمامة، في صمت حجرٍ مبلول بعد المطر.
اللون التعزي نظامًا بيئيًا كاملاً.
ومثل أي نظام بيئي حين تُقتل عناصره، يموت الصوت.
فحين غابت الحقول، واغترب الفلاح،
وجفّت الوديان،
حين نزل الجبل إلى المدينة، وارتفع الاسمنت مكان الحقول
واختفت البيادر، كل هذه العناصر كانت فرقة موسيقية كاملة،
وحين اختفت اختفى معها اللحن وتحوّلت الأرض من خصبٍ إلى غبار، انطفأت الأوركسترا الكونية التي كانت تعزف مع الإنسان.
بينما اللون الصنعاني كان يعيش في بيئة لا تموت:
الأسواق، البيوت القديمة، الأعراس، المجالس التي لا تحتاج موسمًا كي تُغنّى، ولا مطرًا كي تُثمر.
الصنعاني ظلّ يتطور لأن المدينة لا تتوقف.
والتعزي توقف لأن الطبيعة لم تعد كما كانت، ولأننا نحن أيضًا لم نعد كما كنّا.
اللون الصنعاني نجا لأن المدينة لا تموت.
المدينة دائمًا تجد من يغنّي لها،
من يكتب لها، من يعيد رسم ملامحها.
أما نحن فكنّا ننتظر عودة المطر كي نكتب، وننتظر موسم الحصاد كي نغنّي، وننتظر أن تهبّ الريح من ناحية الجبال كي تتحرك الأوتار.
وهكذا سكت اللون التعزي ليس لأنه ضعيف، بل لأنه مرتبطٌ بمشهدٍ كامل اختفى، لم يكن اختياري لسماع اغنية محلا هواك صدفة بل شاهدًا على عصرٍ كان اللحن فيه يشبه الفاكهة:
ينضج تحت الشمس
ويتغذى من المطر
ويتنفس من بين أغصان اللوز والسدر
صوتٌ يشبه احتكاك الريح بالأغصان ، وإيقاعٌ قريب من وقع أقدام الفلاحين وهم يصعدون المدرّجات الزراعية.
كان المشهد أمام عينيّ:
أشجارٌ تتدلى،
عصافير تشرح أجنحتها،
مطرٌ ينساب مثل عودٍ قديم يعزف من تلقاء نفسه،
وأرضٌ تتزين بنقوش الأعشاب
كل هذه العناصر كانت فرقة موسيقية كاملة،
وحين اختفت اختفى معها اللحن
نظرتُ نحو تعز ، وأغلقتُ الدفتر ببطءٍ يشبه ختم عهدٍ جديد.
وقلتُ بصوتٍ يسمعه الجبل والريح:
“هذه ليست بداية كتاب هذه بداية عودة.”
وكتبتُ في الصفحة الأولى:
تذكــرة عودة
للونٍ لم يمت، بل ينتظر من يوقظه

