آخر الأخبار

spot_img

عن المقاطرة التي لا تستسلم ولا تعرف الهزيمة

صحيفة الثوري- كتابات

محمد السامعي

في العام 1922م بعد أن ذاق الاحتلال العثماني الثاني الهزيمة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا وإيطاليا، انسحب العثمانيون من كافة المستعمرات التي كانوا يحتلونها ومنها اليمن. ومع خروجهم من اليمن، قاموا بتسليم المناطق التي كانت تحت احتلالهم للإمام يحيى حميد الدين والأُسر السلالية التي تتواجد في اليمن.

ولاقى العثمانيون مقاومة شديدة من أبناء اليمن، وكذلك من خلفهم في الحكم من الأئمة الذين تجبروا وحاولوا استعباد اليمنيين، خصوصًا أبناء اليمن الوسطى أو كما يسمونها اليمن الأسفل. لكن أبناء تلك المناطق لم يستسلموا لهم، وظلوا يقدمون التضحيات ويفجرون الثورات في وجه الإمامة كما فعلوا قبلها مع الأتراك.

وانتشرت الثورات في مناطق متعددة من اليمن، كثورة المقاطرة، وثورة تُحفة حَبْل في شَرعَب، وثورة الزرانيق في تهامة.

من بين هذه الثورات التي سنتطرق لها هي ثورة المقاطرة.
المقاطرة التي لا يستسلم أهلها ولا يعرفون الهزيمة مطلقًا
ثورة المقاطرة هي ثورة اندلعت في وجه الإمام يحيى حميد الدين في مديرية المقاطرة في قضاء الحَجَرِيَّة، والتي تتبع حاليًا محافظة لحج حسب التقسيم الإداري.

قاوم أهالي المقاطرة حملة عسكرية كبيرة من الإمام يحيى كان هدفها فرض السيطرة الإمامية عليهم واستعبادهم وجعلهم رعايا تحت إمرته. حيث صمد ثوار المقاطرة في قلاعهم، وقاوموا الحملة لمدة عامين متتاليين، كبَّدُوا الجيش الإمامي خسائر كبيرة قبل أن تسقط القلعة، ويتم اعتقال عدد من مشايخها وثوارها، وتَعَرُّض بعضهم للتصفية الجسدية.

وتم اقتياد مئتي أسير إلى عاصمة الإمامة والقهر والذل صنعاءوانفجرت ثورة المقاطرة بسبب رفض أهالي المقاطرة للظلم والاستعباد الذي فُرض عليهم من قبل الإمامة، وتوجيه حملة عسكرية ضدهم بعد أن وصف الإمام يحيى حميد الدين ثوار المقاطرة بأنهم عملاء لبريطانيا التي كانت تحتل عدن والجنوب آنذاك.

سقطت القلعة في النهاية وبعد حصار لمدة عامين، تحصن فيها الثوار بقلعة المقاطرة، قام خلالها الإمام يحيى بتعبئة آلاف الجنود من مختلف المناطق لغزوها، وكبَّد الثوار جيش الإمام مئات القتلى. وما كان للقلعة أن تسقط لولا الخيانة الداخلية، حيث قام الإمام بشراء ذمم بعض أبناء المقاطرة، وتمكن بعدها من اقتحام قلعتها الحصينة. وتم اقتحامها واعتقال مئتي أسير، وإجبارهم على حمل رؤوس أقاربهم ورفاقهم الذين تم تصفيتهم إلى صنعاء، وهناك تم إعدامهم.

نتج عن هذه الثورة العظيمة التي اندلعت في المقاطرة اندلاع ثورات أخرى، حيث اندلعت ثورة الدستور عام 1948م.

واستمرت ثورة المقاطرة كغارات يقوم بها ثوار المقاطرة ضد الإمامة، كما استمرت الاضطرابات والثورات ضد الإمامة في مختلف أنحاء البلاد، وتسببت بنشر الوعي بين اليمنيين بضرورة مقاومة الظلم، وتطور حركة القوى الوطنية والعسكرية في اليمن، وتزايد المقاومة الشعبية ضد حُكم الإمامة.

اليوم من جديد تعلمنا المقاطرة درسًا في المقاومة والتضحية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن في وجه آخر وضد سلطة أخرى ،فمنذ سنوات يتجرع أهالي المقاطرة الظلم ويشربون المُرَّ الذي أُجبروا عليه.

خَمَدَتْ ثوريتهم لبعض الوقت لكنها لم تَمُت، ولن تتحطم معنوياتهم. فمنذ سنوات تمارس أبشع الانتهاكات ضد أهالي المقاطرة، ويتم اعتقالهم وتعذيبهم وانتزاع اعترافات بالقوة منهم. لم يسلم الأطفال ولا النساء والشيوخ من انتهاكات حقوق الإنسان الذي يتعرض لها أبناء المقاطرة بشكل خاص والحَجَرِيَّة بشكل عام. والتهمة جاهزة لكل من يعترض، لكن هذه المرة ليست تهمة العمالة لبريطانيا العظمى، بل توجد تهمة أخرى لمن يقاوم ويرفض القهر والظلم، وهي تهمة “التَحَوُّث” ويتهم أبناء المنطقة كخلايا حوثية.

من المقاطرة انطلقت الشرارة ولا أظنها تنطفئ، ومن المقاطرة سيقول الناس لليل الظلم يكفي، ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر. مرة أخرى تعلمنا المقاطرة معنى الرفض ومعنى عدم الاستسلام ومعنى الثورة على واقع مُزْرٍ.

من المقاطرة عرفنا ما معنى أن يكون الإنسان حراً، ونثق بأن نهاية ليل الظالم ستكون من المقاطرة كما كانت نهاية الإمامة منها، وما بعد المقاطرة ليس كما قبلها. نثق أن الرفض سيتحول إلى عمل جماهيري كبير، ونثق بأن ظلام الليل وقيود السجان وبطشه إلى زوال، ومن المقاطرة ستكون البداية والنهاية.

هذه هي المقاطرة التي لا تستسلم ولا تعرف معنى الهزيمة، وإن خَفَتَ صوتها لبعض الوقت يعود أقوى مما كان عليه. نتابع باهتمام، ونترقب بشوق وأعيننا كلها مُتَّجِهَة جنوبًا تنتظر، ونعلم أن ما بعد المقاطرة ليس كما قبله…