آخر الأخبار

spot_img

تعز.. مركز الثقل وبارجة اليمن

صحيفة الثوري – كتابات

علوي الباشا بن زبع

حين كان اليمن يعيش في ظلام العزلة والتخلف، كانت تعز منارة للعلم والأدب والتنوير، وحاضنة للثوار والثورة، ومركزًا للإشعاع الفكري في التاريخ اليمني المعاصر.

تعز مدينة استثنائية، يصح أن نسميها «بارجة الجمهورية»؛ فمن يكسبها يكسب بارجة في قلب اليمن، يمتد تأثيرها في كل اتجاه بأسلحة من نوع خاص: العلم والثقافة والسياسة والإنتاج والإبداع. وفوق ذلك، مخزون بشري صعب المراس، لا يخضع بسهولة، لكنه حين يؤمن بمشروع وطني يرسّخ الدولة، ويحيي المجتمع، ويطعم الناس خبزًا ويسقيهم علمًا.

في تعز تتلاقى ثلاثة من أهم مقومات قوة الدول: الوزن الاقتصادي، والتأثير السياسي، والثقل السكاني. فمنها بيوت تجارية وصناعية كبرى، ورموز أسهمت في تأسيس القوى السياسية وقيادتها، وينتشر أبناؤها في أنحاء اليمن منتجين وفاعلين وصنّاع رأي وقرار، ومقاتلين أيضًا.

يتفرج العالم على الحصار الحوثي الخانق لمدينة كانت تحيط بها المصانع، وتنتشر في أحيائها المدارس والجامعات ونوادي الفكر والأدب، فأصبحت مثخنة بالدمار، لكنها تضج بالحياة وتقاوم بإمكانات بسيطة وظروف بالغة القسوة.

ظهور أبنائها إلى الحائط، وصدورهم إلى فوهات المدافع والطائرات المسيّرة، ودماؤهم في الشوارع والوديان، ومع ذلك يرفضون الخضوع لمليشيات الإتاوات والفيد. إنها مواجهة بين مشروع للحياة ومشروع للهيمنة؛ فرضه انقلاب جعل الأميّ مشرفًا على رئيس الجامعة، وقاطع الطريق محاضرًا، ومنح الجهلة رتبًا يتعالون بها على خريجي الكليات العسكرية.

عرفنا تعز منذ كنا طلابًا في المرحلة المتوسطة، وأحببنا جمالها وعنفوانها وطيبة أهلها وجسارتهم. وستبقى في وجداننا كذلك، حتى لو تخلى عنها الجميع، وحتى لو لم يبقَ فيها حجر على حجر.

لا أخاف على روح تعز وقدرتها على النهوض؛ أخاف عليها من خذلان القادرين على نصرتها، حين يكتفون بالكلمات وارتداء الشيلان التعزية. للتضامن قيمته، لكنه يفقد معناه حين يصبح بديلًا عن الفعل، والميدان يحتاج إلى من يسند أولئك الأبطال الحفاة، الذين يواجهون الموت وهم ينثرون النكات ويطمئنون الدنيا بأن المدينة بخير.

تحتاج تعز إلى قادة عسكريين يحترمون شرفهم العسكري، وينزلون الميدان ويتحملون مسؤولياتهم، أو يضعون رتبهم جانبًا ويفسحون المجال لقيادات شابة من بين المقاتلين. وتحتاج إلى مقتدرين يدركون أن الأموال والمصالح لا يحميها التخلي عن المدينة؛ فما يبذلونه اليوم لإسنادها وإغاثة أهلها يكتب لهم تاريخًا أبيض، وما يحجبونه وهم قادرون قد يترك عارًا لا تمحوه حملات الإعلام.

تعز كبيرة، ونعرف أنها لا تستسلم. نراهن على انتصارها في مواجهة المليشيات الحوثية الغازية، وإن خسرت المعركة وسقطت المدينة، لا سمح الله، فلن تسقط روحها ولن تنتهي مقاومتها؛ فهي كطائر الفينيق اليمني، تنهض من تحت الركام وتعود إلى الحياة. لكن ثقتنا بتعز لا تعفي أحدًا من مسؤولية نصرتها، ولا تمنح المتخاذلين عذرًا لتركها تواجه مصيرها وحدها.

نقول للعالم المتفرج: تعز كبيرة، فلا تجهلوا قدرها؛ ومظلومة، فلا تخذلوا أهلها. وستبقى أبية شامخة، وسيكون لها دورها في قيادة يمن ما بعد الحرب، مهما اشتدت محنتها.

وعلى المليشيات الحوثية أن تدرك أن خنق المدينة لا يعني إخضاعها، وأن ترفع الحصار وتفتح الطرق أمام المدنيين والغذاء والدواء؛ فحصار المدينة وحرمان أهلها من مقومات الحياة مأساة لن يغفر التاريخ لمن صنعها، ولا لمن استطاع وقفها ثم صمت أو تخاذل.

تعز مدينة الحياة، ولن ينتزع الحصار روحها.


من صفحة الكاتب في منصة إكس 

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img