آخر الأخبار

spot_img

أدب الحرب وثقافة المقاومة – 8

صحيفة الثوري – دراسات

عبدالجليل عثمان 

《الحلقة الثامنة》

سيفيات المتنبي في الاستبسال والشهادة

إن التراث الذي بقي للعرب من معارك السلاح لم يكن مجرد فخر ومزايدة، لقد كان انعكاساً لواقع تمجّد فيه الإنسان بحمية للدفاع عن الذات وصيانة الشرف والكرامة والأرض مهما كانت التضحية.

لقد جاء الخيال الشعبي فيما بعد يمثل دور المعوّض حين بدأت مراحل التردي، ليرسم إضافات على صور كانت حقيقية، وينسج من حياة الزير سالم وعنترة وبني هلال وغيرهم أساطير تعبّر عن مفاخر سلفت يُراد لها أن تخلف. ففي قلب الهزائم المرعبة، وتحت سلطان الأتراك والفرنسيين من بعد، كانت قصة عنترة زاد رواد المقاهي الليلية، يسمعون ويبكون وينفعلون تعبيراً عما هو عندهم في حالة الكمون والتستر.. شجاعة حجبها الجهل والتخويف والاضطهاد لفترة طويلة، ففي الأمنية الغائبة من حياتهم، المتحققة في حياة البطل، كانوا يجدون الملاذ.. في عنترة والزير اللذين عاشا الملاحم، عانيا وازدهرا وتألما، وهذا الواقع الذي يعيشه الناس في فترات اليأس والاستبداد.

مجد المتنبي البطولة عند العرب، وقال إنهم كانوا على الخيول (ثابتين كجلودها حين يكون الطعن في لباتها):

يلقي الوغى والقنا والنازلات به – والسيف والضيف رحب الباع جذلانا

إن سيفيات المتنبي تأتي في مقدمات الشعر العربي في الاستبسال والاستشهاد الذي لا يعرف الرحمة، وعلى «السروج التي هي مجالس الفتيان»، ويأسى المتنبي عندما لا يجد الشجاعة التي يحلم بها، أو لا تعجبه مواقف المتخاذلين، ويرتدون عن الغاية التي حاربوا من أجلها. وقد ندد بأصحاب سيف الدولة وجنوده عندما لا يظهرون من الصمود ما كان يرجو في إحدى المعارك، ذلك أن المتنبي في أعماقه مقاتل، محرّض، وجنّد شعره للدفاع عن قضية انتصار قيم القتال الكريم الذي لا سبيل إلى تحقيق أهدافه إلا بالصمود فيه.

أراد سيف الدولة أن يغزو سمندوية بعد أن علم أن الروم حشدوا أربعين ألفاً.. غير أنه أحب المسير إليها، فاعترضه المتنبي وأنشده مؤيداً بالإقدام:

وقد علم الروم الشقيون أننا – إذا ما تركنا أرضهم خلنا عدنا

وأنا إذا ما الموت صرّح في الوغى – لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا

كان يصوّر التعبئة والمعارك تجري بحرارة، واعتمد الوصف الخارجي بصرياً وسمعياً كمرآة تعكس الصوت والصورة، وتضع السامع في قلب المعركة، وتغدو الطبيعة المؤنسنة جزءاً من المعارك، والليل والغبار والشجر، والذي يشكل المسرح المكاني للخلاص من العدوان.

إنها قضية شاعر ملتزم يعيش أوار الحرب ويحمل صورتها إلى قومه الذين لا يشتركون في القتال مباشرة، ليصوّر بطولات المقاتلين، ويحمل القاعدين إلى قلب المعركة، ويحرّض كوامن النضال في أعماقهم، ويرفع نصب الشهادة من الحماسة والإيمان.

إن عدسات الكاميرا ترافق في أيامنا الحروب، أما في الماضي فقد رافقها صوت الشاعر، يرسم ملامحها ويقدم تاريخاً ومشاعر المقاتلين. وفي تاريخنا الأدبي شعراء كثر مارسوا هذا اللون من المعاناة، وأبرزهم المتنبي وأبو تمام، ولم تكن المعارك التي خاضها العرب في البر وحدها، بل تجاوزتها إلى عبور الحواجز المائية والقتال فوقها، فقد اجتاز سيف الدولة حصن الران، وعبر الجيش نهر أرسناس العميق، بقوله:

قاد الجياد إلى الطعن ولم يقد – إلا العادات والأوطان

حتى عبرنا بأرسناس سوابحاً – ينشرون فيه عمائم الفرسان

وقد وصف المتنبي المعارك الكبيرة مع الروم، فكانت المعارك التي رافقت بنا الحدث، وهي تذكّر بقصيدة أبي تمام في فتح عمورية بحرارتها وصدقها وشموخها، مع فارق بين هدم عمورية وحرقها هناك وبناء الحدث هنا.. بقوله:

بناها فأعلى والقنا يقرع القنا – وموج المنايا حولها متلاطمُ

وكان بها مثل الجنون فأصبحت – ومن جثث القتلى عليها تمائم

أتاك يجرون الحديد كأنهم – سروا بجياد ما لهن قوائم

وكان المتنبي الصوت الأقوى في معارك بني حمدان مع الروم إلى جانب الشاعر أبي فراس الحمداني، الذي كان أيضاً فارساً، فيقول:

تمر الليالي ليس للدفع موضع – لديّ ولا للمعتفين جناب

ولا شدّ لي سرج على ظهر سابح – ولا ضربت لي بالعراء قباب

وكان الحمداني دائماً مصراً على الثبات، وظل على موقفه بقوله:

تكاثر لوامي على ما أصابني – كأن لم تثبت إلا بأسري النوائب

إن المتنبي وأبا فراس نموذجان للشعر الحي المرتبط بالواقع، لم يكن يعني مشاعر الفخر والاستعلاء ووصف البطولات وحدها، بل كان يعني أيضاً فيضاً شعورياً فيه اللوم والعتب والذم والاتهام بالتقصير، وفيه أيضاً الندم والحسرة والمراجعة والدعوة إلى الاستعداد لمعارك مقبلة. لقد صار السيف من خشب والكلمة من طين عندما بدأت مراحل التردي وتحولت حياة الناس إلى نزاع بين الأمراء.. وخفتت شعلة الإباء في النفوس وتعالت ضوضاء التزييف، وتضخم الكذب وغدا عبثاً بلاغياً بالكلمات حتى سقط الفن…

إن الكلمة والسيف حين تعانقا في المعارك أعطى كل منهما للآخر زخماً من القوة والجلال، كان للحرب أدبها ولدينا إرث فني رائع يحسبه المتجنون زيفاً ومبالغات، ويرى العارفون صدقاً نقياً، رسم اللوحة التي كانت معاشة، التي نبضت فيها إنسانية المحاربين. ونحن اليوم في حربنا مع المليشيات الحوثية الإيرانية بحاجة إلى مثل تلك الكلمات التي تعطي الفعل الظهور بأجلى صورة للنصر وفي التغيير، ونحتاج إلى الاستفادة من تاريخ حروبنا في التحرير وفي الدفاع عن الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر في أدبنا الحربي. ولئن كان الحق والبندقية من نسب، فإن للكلمة والخنجر من نسب أيضاً، كل منهما يقاتل على جبهته، وكل جبهة تمد الأخرى بالطاقة، ومن جماع قتالهما تكون الجبهة الواسعة للكفاح البطولي.

فلتكن الكلمة إذن خنجراً على نصله تومض البروق، وينار الأفق، ويشار النصر المقبل، وتكون كلمة الأدباء الذين يعيشون بين الناس بين المقاتلين.. «عندما تزمجر الرعود وتصبح الأغنية صنو العاصفة الأبدي». «١»


١- أدب الحرب، د. نجاح العطار وحنا مينه، بتصرف.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img