صحيفة الثوري – (رأي)
عزالدين الأصبحي
اندفاع ميليشيا الحوثي نحو تعز، وبالذات إلى عمقها في جبال الحجرية، ليس مجرد محاولة للسيطرة على مساحة جغرافية جديدة؛ إنه اندفاع نحو محرقة للحوثي ومشروعه، لكنه في الوقت نفسه محرقة لليمن كله.
المفارقة أن جبهات كثيرة هدأت، وتراجعت معها المعارك التي كان الحوثي يقدمها بوصفها مواجهة مع «الأعداء الخارجيين» بمختلف مسمياتهم.
وحدها تعز تبدو اليوم في قلب اندفاع عسكري واسع، تُحشد له القوات من صعدة وغيرها، وكأن الحوثي يريد تحقيق نصر رمزي بأي ثمن.
لكن لماذا الحجرية؟
لأن المسألة، في جوهرها، تتجاوز الحساب العسكري والاقتصادي. يريد الحوثي أن يثبت ما يسميه هيمنة مشروعه، وأن يفرض بالقوة صورة الانتصار على منطقة ارتبط اسمها تاريخياً بالجمهورية والدولة والمقاومة.
غير أن السيطرة على الجبال لا تصنع نصراً سياسياً، ولا تمنح مشروعاً عنصرياً فرصة حقيقية للحياة.
لا توجد في جبال الحجرية ثروة اقتصادية استثنائية تجعل السيطرة عليها مكسباً يغطي كلفة الحرب.
والمكسب الذي يتوهمه الحوثي ليس اقتصادياً بقدر ما هو سياسي ورمزي: إيذاء خصومه، وتوسيع دائرة الخوف والانقسام، ودفع اليمنيين إلى مزيد من الاستقطاب المناطقي والمذهبي.
وهنا تكمن الكارثة.
فالخطر لا يتوقف عند سقوط قرية أو جبل. ما يجري يهدد بتكريس فكرة أن الصراع في اليمن صراع طائفي ومناطقي، وأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى خطوط ثأر مفتوحة.
وإذا ترسخت هذه القناعة، فإن الحوثي لا يهدم خصومه فقط، بل يهدم ما تبقى من النسيج الاجتماعي الذي يحتاجه اليمن لكي ينهض.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن كل طرف لا يريد لليمن استقراراً حقيقياً يمكن أن يستفيد من هذا النزيف دون أن يطلق رصاصة واحدة.
فالانقسام الذي تصنعه ميليشيا الحوثي، وتدمير المؤسسات، وتمزيق الروابط الاجتماعية، وإضعاف فكرة الدولة، كلها نتائج تخدم كل مشروع يريد لليمن أن يبقى ضعيفاً ومجزأً وفاقداً القدرة على النهوض.
يخسر الحوثي معركته الآن في الحجرية، وطبيعة المقاومة التي يواجهها تجعل هزيمته مؤكدة على مستوى اليمن وليس تعز فقط ، لكنه في الوقت نفسه يترك وراءه بلداً أكثر إنهاكاً، ومجتمعاً يمنياً أكثر انقساماً، ومؤسسات رسمية أكثر هشاشة.
إن مشروع الحوثي، مهما طال، ليس مشروعاً قابلاً للحياة. لكن الخطر أن ينتهي المشروع بعد أن يكون قد دمّر الكثير من مقومات الدولة، وأضعف الجيش والحكومة والمؤسسات السياسية والمجتمع المدني، واستهدف الرموز والقيادات والشخصيات الاجتماعية، وترك خلفه ذاكرة مثقلة بالدم والثأر.
لهذا فإن معركة الحجرية ليست معركة على جبل فقط.
إنها معركة على شكل اليمن الذي سيأتي بعد الحرب.
لن ينجح الحوثي في غزواته على تعز والحجرية، ولن تمنحه السيطرة على الجبال نصراً مستداماً. لكنه عمد الى خلق نزيف مؤلم ، وإذا استمر هذا النزيف، يجعل الطريق إلى لملمة اليمن أطول وأصعب وأكثر كلفة.
وهذه هي الكارثة التي يجب ألا نغفل عنها ونحن نرى المعركة تدور أمام أعيننا: يخسر الحوثي الجبل، لكن اليمن يخسر سنوات من مستقبله.
ومن هنا، فإن مقاومة بقية اليمن لهذه الميليشيات يجب ألا تبقى متفرجة على المعركة وكأنها تخص تعز وحدها.
المطلوب أن تنهض الجبهات الأخرى، شمالاً وجنوباً، وأن تتحرك القوى الرافضة لمشروع الحوثي، بما فيها الناس في قلب صنعاء، لا دفاعاً عن تعز وحدها، بل دفاعاً عن نفسها وعن ما تبقى من اليمن.
فالمعركة ليست معركة محافظة ضد محافظة، ولا منطقة ضد منطقة، ولا جماعة ضد جماعة؛ إنها معركة حول بقاء اليمن وطناً قابلاً للحياة.
إن إعلان رفض تكريس التمزيق ليس خدمة لطرف أو جهة، أياً كانت، بل هو إنقاذ لأنفسنا ولأبنائنا وللمستقبل الذي لم يولد بعد.
الحجرية ليست غنيمة يمكن أن تمنح الحوثي نصراً. إنها اختبار جديد لقدرة اليمنيين على إدراك أن خسارة أي جزء من اليمن هي خسارة للجميع.
ستنتهي معركة الجبل، لكن معركة إنقاذ اليمن ستبقى. والسؤال الحقيقي ليس: من يسيطر على تعز اليوم؟
بل: أي يمن سيبقى لنا غداً؟


