آخر الأخبار

spot_img

مأرب على الحافة.. ضغط حوثي على المدينة وتهديد بتدميرها

صحيفة الثوري – تقرير تحليلي

 خليل الزكري

تمثل مأرب مركز الثقل في الحرب الجارية، خصوصا مع تصاعد القتال على عدة محاور واقتراب التهديد الحوثي من مدينة مأرب نفسها،وسط استمرار القوات المدافعة عن المدينة في الاحتفاظ بخطوطها الرئيسية.

وخلال الساعات الماضية، تزامن القصف الحوثي والتحركات الميدانية مع تهديد علني من قيادي حوثي رفيع بتسليم المدينة، محذرا من ما وصفه بـ “ويلات الحرب والدمار” في حال رفض القوات الحكومية ذلك ، ويمنح توقيت هذا التهديد، المتزامن مع استمرار الحشد الحوثي واتساع نطاق العمليات حول مأرب، الرسالة وزنا يتجاوز الخطاب الدعائي المعتاد.

وتشير المعطيات المتاحة حتى يوم 25 سبتمبر إلى استمرار التصعيد  الحوثي، مع بقاء فاصل قائم بين الضغط على خطوط الدفاع والتحضيرات لبدء اقتحام المدينة.

ثلاثة محاور تحت النار

تركزت المواجهات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية في محاور الكسارة ومحزام ماس ورغوان، مع قصف متبادل وتحركات حوثية وإطلاق صواريخ من الاتجاه الغربي، وفق تقارير ميدانية نشرتها وسائل إعلام محلية وعربية.

وفي رغوان، شمال مأرب، استهدفت مسيرة حوثية سيارة مدنية، ما أدى إلى إصابة أحد المواطنين وتدمير المركبة، وفق وزارة الداخلية ، بالتزامن استمر القصف والاشتباكات في الجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية،  ضمن موجة التصعيد التي بدأتها مليشيا الحوثي قبل أيام.

مع ذلك، لم تتضمن الصورة الميدانية حتى الآن ما يثبت سقوط موقع دفاعي رئيسي أو قطع طريق إمداد حيوي أو وصول المليشيا الحوثية إلى أطراف المدينة ، وهنا يكون توصيف الوضع باعتباره ضغطا متعدد المحاور أكثر دقة من الحديث عن حصار مكتمل أو اقتحام بدأ بالفعل.

من الحشد إلى التهديد

ويأتي التصعيد الحالي بعد أيام من تقارير تحدثت عن حشد حوثي حول مأرب ونقل مقاتلين ومعدات عسكرية باتجاه جبهاتها . بالمقابل، تحدثت تقارير إعلامية عن رفع القوات الحكومية جاهزيتها لمواجهة هجوم محتمل، وسط استمرار الاشتباكات على محاور متفرقة.

وتكشف هذه التطورات عن تسلسل يستحق الانتباه، بدا بحشد عسكري، ثم رفع مستوى الاشتباك، ثم توسيع الضغط على عدة محاور، ثم استهداف عمق المحافظة، بالتوازي مع انتقال الخطاب الحوثي إلى مطالبة صريحة بتسليم المدينة ، ويعكس هذا المسار تزامن الضغط العسكري مع ضغط سياسي على قوات الجيش المدافع عن المدينة، مع إبقاء خيارات التصعيد مفتوحة.

ولا تتوفر في المصادر المفتوحة معلومات مستقلة تحدد حجم المليشيا الحوثية التي جرى حشدها أو طبيعة الوحدات والأسلحة الموجودة في مواقعها الجديدة. كما لا توجد بيانات موثوقة عن حجم الاحتياطي من القوات الحكومية داخل المدينة، وتمنع هذه الفجوة تقديرا دقيقا للقدرة الهجومية الحوثية في حال اتخاذ قرار بالانتقال إلى عملية واسعة.

الثور يرفع سقف التهديد

وجاءت أبرز التطورات السياسية ـ العسكرية خلال الساعات الأخيرة من القيادي الحوثي عابد محمد الثور، مستشار وزارة الدفاع التابعة للحوثيين ، وطالب الثور، في مقابلة مع وكالة فرانس برس، القوات الحكومية بتسليم مدينة مأرب، محذرا من “ويلات الحرب والدمار” في حال رفض ذلك.

وبما أن تصريح القيادي الحوثي لا يتضمن دعوة للسكان إلى مغادرة المدينة، فإن وصفه بأنه “إنذار بإخلاء مأرب” غير دقيق، فالمخاطَب المباشر هو قوات الجيش الوطني.

بيد أن الرسالة تكتسب أهميتها من توقيتها، إذ جاءت في ظل تصعيد ميداني وحشد عسكري، ما يجعل التهديد جزءً من الضغط على القوات المدافعة، وليس مجرد تصريح سياسي منفصل عن الميدان ، كما أن الثور تناول في المقابلة نفسها ملفات الساحل الغربي وباب المندب والصراع الإقليمي، ما يضع معركة مأرب ضمن تصور حوثي أوسع للمرحلة الجديدة من الحرب.

هل بدأت عملية تطويق المدينة؟

حتى الآن، لا تظهر في المصادر المفتوحة أدلة كافية على اكتمال تطويق مأرب. والطرق الرئيسية إلى المدينة لم يثبت قطعها، ولم تسجل التقارير سقوط مواقع دفاعية حاكمة أو انتقال القوات الحوثية إلى مواقع تمكنها من فرض حصار مباشر.

لذلك فإن الحديث عن تطويق المدينة، فضلا عن حصارها سابق لأوانه. ما يجري أقرب إلى محاولة الضغط على الحزام الدفاعي لمأرب من عدة اتجاهات، وإجبار الجيش على توزيع قواته واحتياطاته على قطاعات مختلفة.

وهنا تكمن أهمية تعدد المحاور، فإذا بقيت العمليات متفرقة، فإنها قد تستمر ضمن نمط الاستنزاف. أما إذا تحولت إلى هجمات متزامنة تستهدف اختراق خطوط الدفاع في أكثر من اتجاه، فسيتغير التقييم العسكري بصورة كبيرة.

مأرب بعد مكاسب الساحل الغربي

تأتي أهمية التصعيد في مأرب أيضا من التحولات التي شهدها الساحل الغربي خلال الأسابيع الأخيرة ، وأعاد التقدم الحوثي في المخا وباب المندب، ترتيب أولويات الحرب وفتح جبهة ذات أهمية استراتيجية كبيرة.

ومع انتقال الضغط إلى مأرب، يصبح السؤال أكثر اتساعا: هل يستطيع الحوثيون تحويل المكاسب التي حققوها في الأطراف إلى ضغط متزامن على مراكز الثقل التابعة للحكومة الشرعية؟

وتعد مأرب واحدة من أهم هذه المراكز، بسبب موقعها العسكري وموارد الطاقة والمنشآت الحيوية، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة من النازحين فيها.

ولهذا فإن أي معركة واسعة حول المدينة ستكون ذات آثار عسكرية وإنسانية تتجاوز حدود المحافظة.

مؤشرات الانتقال إلى هجوم واسع

تبرز مجموعة من المؤشرات ستحدد خلال الأيام المقبلة، ما إذا كان التصعيد الحالي سيتحول إلى عملية أوسع، أهمها ظهور هجمات متزامنة على الكسارة ومحزام ماس ورغوان والجبهة الجنوبية، مع تكثيف استخدام الصواريخ والمسيرات، وسقوط مواقع متقدمة أو قطع طرق رئيسية.

وفي حال بقي القتال عند مستوى القصف المتبادل ومحاولات التسلل والاشتباكات المحدودة، فسيكون من المبكر الحديث عن انتقال المعركة إلى مرحلة الاقتحام.

كما أن استمرار وصول التعزيزات الحوثية سيكون مؤشرا أكثر دلالة على مسار التصعيد من التصريحات السياسية، لكنه لا يكفي وحده لتحديد حجم القوة الهجومية أو نوايا استخدامها.

بين التهديد والاقتحام

المؤشر الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون ارتفاع عدد الضربات أو التصريحات، وإنما حدوث تغير في خطوط السيطرة،فإذا تمكن الحوثيون من تثبيت مواقع متقدمة، وقطع طرق رئيسية، وفتح اختراقات متزامنة في أكثر من محور، فسيتغير توصيف المعركة.

أما استمرار القتال ضمن نطاق الضغط والاستنزاف، من دون تغيير جوهري في خريطة السيطرة، فسيبقي مأرب في مرحلة التصعيد دون الانتقال إلى معركة المدينة.

بالتالي سيكون الفاصل بين التصعيد الحالي والمعركة الكبرى ميداني أكثر مما هو إعلامي، وهذا ما ستحدده قدرة أي طرف على تحويل الضغط إلى تغيير فعلي في خطوط السيطرة.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img