صحيفة الثوري – (رأي)
د. عبدالناصر حسين الهزمي
هناك ثورات تولد من رحم الغضب، وثورات تولد من رحم الحاجة، وثورات تولد من رحم التاريخ. لكن الثورة التي لا تعرف أمها، ولا تعترف بالجذر الذي أنبتها، سرعان ما تتحول إلى شجرة بلا جذور؛ قد تكبر أغصانها قليلا، وقد يصفق لها العابرون، لكنها لا تستطيع أن تقاوم أول عاصفة. ومن هنا تأتي ثورة السادس والعشرين من سبتمبر في الوعي اليمني، لا بوصفها مجرد يوم في التقويم، ولا باعتبارها مناسبة وطنية تستعاد كلماتها كل عام، وإنما باعتبارها الثورة الأم التي دشنت في الوعي اليمني معنى جديدا للإنسان والوطن والدولة والحرية، ففي التاريخ ثورات تمر كالعابرين، وثورات تصنع العابرين، وثورات تغير وجه الزمن نفسه، وثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة ليست مجرد صفحة في كتاب التاريخ اليمني، ولا مناسبة وطنية نرفع فيها الأعلام ثم نعود إلى واقعنا كأن شيئا لم يكن؛ إنها اللحظة التي حاول فيها اليمني أن يستعيد حقه في أن يكون إنسانا ومواطنا، لا تابعا في مملكة السلالة ولا رعية في نظام الاستبداد. ولهذا فإن سبتمبر ليست ملكا لحزب، ولا إرثا لجماعة، ولا شهادة ميلاد سياسية لأحد، سبتمبر ملك اليمنيين جميعًا، من هنا تبدأ المسألة التي قد تكون مؤلمة لبعض الذين يريدون صناعة ثورات جديدة بذاكرة مبتورة:
أي ثورة يمنية تبحث عن المستقبل، ثم تتعامل مع ثورة سبتمبر وكأنها ماضٍ ينبغي تجاوزه، إنما تبدأ مشروعها السياسي من خلل في الوعي قبل أن تبدأه من الشارع. فالذي يريد أن يهدم بيتا قديما عليه أولًا أن يعرف كيف بني، ومن أي أساس، ولماذا بني؛ وإلا فقد يهدم الجدران التي تحميه ويبقي الأساسات التي يسكن فيها الاستبداد، الثورة ليست تغيير الوجوه، وإنما تغيير الفكرة التي تنتج الاستبداد.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي ثورة هو أن تتحول من ثورة على الاستبداد إلى وسيلة لإنتاج استبداد جديد، ومن مشروع لتحرير الإنسان إلى مشروع لإخضاعه باسم الإنسان. كم من ثورة رفعت راية الحرية، ثم انتهت إلى مصادرة الحرية! وكم من جماعة تحدثت باسم الشعب، ثم اعتبرت الشعب تابعا لها! وكم من سلطة قالت إنها جاءت لإنقاذ الوطن، ثم اكتشف أن الوطن هو الذي يجب أن ينقذ منها! وهنا تكمن قيمة سبتمبر إنه ليست مجرد شعار جمهوري، وإنما سؤال دائم في وجه كل سلطة.
هل أصبح الإنسان اليمني أكثر حرية وكرامة وعدلا؟
فإذا كانت الإجابة لا، فمعنى ذلك أن الثورة لم تنتهِ بعد.
إن الثورة الحقيقية لا تموت لأن حزبا سقط، ولا تنتهي لأن جماعة انقسمت، ولا تفقد معناها لأن بعض أبنائها أخطأوا أو خانوا مبادئها، الأشخاص يموتون، الأحزاب تتبدل، الجماعات تتشظى، الأنظمة تسقط. لكن الفكرة التي تحرر الإنسان لا تموت.
ومن هنا فإن من يريد أن يدخل التاريخ بثورة جديدة عليه ألا يبحث عن ختم من حزب، ولا شهادة من جماعة، ولا مباركة من زعيم؛ بل عليه أن يسأل نفسه سؤالا أكثر قسوة:
هل أنا امتداد للثورة أم مجرد مستفيد من اسمها؟
هل انا مؤمن بمبادئ الثورة ومدرك معانيه ام معاديه وجاهل معانيه؟
فالفرق بين الثائر والانتهازي أن الأول يريد تحرير الإنسان، بينما يريد الثاني أن يحل محل المستبد، الأول يسقط عرشا ليقيم دولة، والثاني يسقط عرشا ليجلس عليه، الأول يؤمن بأن السلطة وسيلة لخدمة الإنسان، والثاني يرى الإنسان وسيلة لخدمة السلطة.
ولهذا فإن 26 سبتمبر ليست عائقا أمام أي ثورة حقيقية؛ بل هي معيارها الأخلاقي والسياسي.
فأي حركة يمنية تدعي أنها ثورة، ثم تنكر الجمهورية، أو تنتقص من المواطنة، أو تؤسس للتمييز السلالي أو الطبقي أو المناطقي، أو تستبدل عقلية الراعي والقطيع بعقلية أخرى، فإنها لا تصنع ثورة جديدة؛ إنها تعيد إنتاج الماضي بأدوات حديثة، الثورة لا تكون ثورة لأنها جديدة.
تكون ثورة لأنها تحرر الإنسان من القديم الذي يسكن داخله وفي واقعه.
ولهذا أقولها بوضوح:
《 لا حياة لثورة لا تؤمن بالثورة الأم؛ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، أين كان شعارها، وحزبها، وجماعتها، ستموت وتنتهي بنتهائهم فعلى من اراد دخول التاريخ اخذ تصريح من ثورة 26 من سبتمبر المجيده قبل كل شيء 》
فمن أراد أن يبني مستقبلًا يمنيا جديدا، فليبدأ من حيث بدأت فكرة الجمهورية من الإنسان، ومن أراد أن يكتب اسمه في التاريخ، فليعلم أن التاريخ لا يمنح ألقابه لمن يرفع صوته أكثر، ولا لمن يمتلك السلاح أكثر، ولا لمن يملك المال أكثر؛ وإنما لمن يضيف إلى حرية الإنسان وكرامته وعدالته شيئا يبقى بعد رحيله.
إن سبتمبر ليست وثنًا نعبده، ولا ماضيّا نقدسه، ولا كتابًا ممنوعًا من النقد. إنها فكرة قابلة للنقد، لكنها غير قابلة للمحو.
نراجع أخطاءها ان كان هناك ثمةمناخظاء، ونقرأ تاريخها بعين نقدية، ونستخلص منها ما ينفع المستقبل؛ لكننا لا نسمح لمن يريد العودة باليمن إلى عصور ما قبل الجمهورية أن يستخدم أخطاء أبناء سبتمبر ذريعة لإعدام سبتمبر نفسها، فالخطأ في تطبيق الفكرة لا يعني موت الفكرة، ووجود نموذج سيئ لا يعني خطاء الفكرة الأساسية وفساد بعض أبنائها لا يعني فساد قيمها، والثورة التي انحرف بعض أبنائها عن أهدافها لا تصبح عدوا لأهدافها؛ بل تصبح دعوتها أكثر إلحاحا في أن يستعيد أبناؤها معناها الحقيقي.
لقد آن الأوان أن نفهم أن الثورة ليست مناسبة نحتفل بها، بل مسؤولية نعيشها، وأن الجمهورية ليست علمًا نرفعه، بل سلوكًا نمارسه، وأن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل ثقافة تبدأ من الأسرة والقبيلة والمدرسة والجامعة والمؤسسة، وتنتهي بالدولة، وأن الحرية التي نطالب بها في الشارع ثم نمنعها عن أقرب الناس إلينا ليست حرية؛ إنها مجرد رغبة في استبدال موقع القيد.
ولهذا فإن الثورة التي نحتاجها اليوم ليست ثورة تنقلب على سبتمبر، بل ثورة تستكمل ما لم تستطع سبتمبر إنجازه أن كان هنالك مالم ينجز فعلا، ثورة تنقل الجمهورية من الشعار إلى الدولة، ومن الدولة الشكلية إلى دولة المؤسسات، ومن المواطنة في الدستور إلى المواطنة في الحياة، ومن تحرير الأرض إلى تحرير الإنسان، ومن إسقاط المستبد إلى إسقاط العقلية التي تصنع المستبد، وهنا فقط يصبح سبتمبر مستقبلا، لا ذكرى.
فيا من تريدون دخول التاريخ: لا تطلبوا تصريحا من حزب، ولا إذنا من جماعة، ولا مباركةً من سلطة. خذوا تصريحكم من الحقيقة، من الحرية، ومن العدالة، ومن كرامة الإنسان. ومن سبتمبر التي قالت لليمن، ذات يوم، إن زمن الرعية يجب أن ينتهي، وإن زمن المواطن يجب أن يبدأ.
فمن لا يعرف أمه الثورية، لن يعرف إلى أين يمضي أبناؤها، ومن يقطع جذوره مع سبتمبر، قد يستطيع أن يرفع راية جديدة، لكنه لن يستطيع أن يقنع التاريخ بأنها ثورة، فالوفاء الحقيقي للثورة ليس أن نكرر كلماتها، وإنما أن نعيد إنتاج قيمها في واقع جديد.

