آخر الأخبار

spot_img

سقطرى بين السياسة والتنمية .. إلى أين؟

“صحيفة الثوري” – (رأي):

نبيل غالب

شجرة دم الأخوين لا تفهم بيانات السياسة. والسلحفاة السقطرية لا تنتظر نتائج الحوارات. بينما تتصارع الأجندات، كانت سقطرى تخسر. اليوم، ومع الأمر الإداري رقم 24، يبدو أن هناك محاولة جديدة للفصل بين ضجيج السياسة وحاجة التنمية. والسؤال يبقى: إلى أين؟

وفي قرار يعكس إدراكاً متأخراً لكن ضرورياً لطبيعة التحديات، أصدر محافظ أرخبيل سقطرى المهندس رأفت الثقلي الأمر الإداري رقم (24) لسنة 2026 بتشكيل “اللجنة السياسية” و”اللجنة الاقتصادية”. القرار لا يبدو تقنياً فقط، بل هو محاولة لإدارة جزيرة لا تشبه أي مكان آخر في العالم. جزيرة مصنفة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، واقتصادها الحقيقي الوحيد القابل للاستدامة هو السياحة البيئية.

أهمية هذا الأمر تكمن أولاً في الفصل المؤسسي الواضح بين السياسة والتنمية. فوجود لجنة اقتصادية تضم دوائر متخصصة في البيئة والسياحة والتنمية المستدامة واللغة والثقافة والتراث، إلى جانب لجنة سياسية معنية بالحوار والسلم الأهلي والحوكمة، يمنح ملف البيئة حصانة من التقلبات السياسية. لسنوات كان أي خلاف ينعكس فوراً على المشاريع التنموية فيهرب المستثمر وتتوقف المبادرات.

اليوم أصبح للبيئة والسياحة صوت مؤسسي دائم يدافع عن الغطاء النباتي النادر وعن شواطئ السلاحف حتى في أوقات الشد السياسي، وهذا شرط أساسي لجذب السائح البيئي العالمي الذي يبحث عن الاستقرار قبل الجمال.

لكن سقطرى لا تملك منتجاً سياحياً فقط، بل تملك حكاية. حكاية دم الأخوين، والكهوف، والأساطير البحرية، واللباس السقطري. وهنا يبرز دور دائرة اللغة والثقافة والتراث ودائرة الشباب والمرأة داخل اللجنة الاقتصادية.

السياحة البيئية الناجحة في العالم لا تبنى بالفنادق الكبرى، بل بالمرشدين المحليين والحرفيين والشباب الذين يحولون الموروث الشفهي إلى تجربة حية للزائر. إذا تمّ تمكين أبناء وبنات سقطرى ليكونوا هم رواة الجزيرة وحراسها، فسنضمن دخلاً مستداماً للمجتمع وحماية مجتمعية للبيئة، لأن من يستفيد منها هو أول من سيدافع عنها.

من جهة أخرى، لا يمكن للسياحة أن تنمو في فراغ تشريعي. السائح البيئي لا يأتي لمكان بلا قوانين. لذلك فإن وجود دوائر الدراسات والبحوث والتخطيط والشؤون القانونية يمثل فرصة تاريخية لوضع لوائح واضحة تنظم عدد الزوار، وتحدد المسارات السياحية، وتحمي الأنواع المهددة.

المطلوب هنا ليس مجرد لوائح، بل “ميثاق شرف بيئي” يكون الأول من نوعه في اليمن، يلزم أي مشروع سياحي في سقطرى بمعايير صارمة تبدأ من الطاقة النظيفة وتنتهي بإعادة تدوير النفايات، وبما يضمن بصمة بيئية صفرية.

ولكي لا يبقى القرار حبراً على ورق، كان تحديد مدة 14 يوماً لإنجاز المخرجات خطوة ذكية تضغط باتجاه العمل. خلال هذه الفترة القصيرة على اللجنتين أن تبدأ فوراً بإعداد خريطة سياحية بيئية للجزيرة تحدد المناطق المسموح زيارتها والمناطق المحمية تماماً، وأن تطلق برنامج تدريب عاجل للشباب والمرأة في الإرشاد السياحي والحرف البيئية والإعلام الرقمي حتى يكونوا جاهزين للموسم القادم.

كما يجب أن تفتح اللجنة السياسية قناة اتصال مباشرة مع اليونسكو والمنظمات البيئية الدولية لتسويق سقطرى كوجهة آمنة ومستدامة، وأن تضع خطة إعلامية تعيد صياغة صورة اليمن في العالم من خلال سقطرى كنموذج للسلام والجمال.

في النهاية، هذا الأمر الإداري هو بمثابة غرفة عمليات. إما أن ينجح في تحويل سقطرى من “جزيرة مهددة” إلى “نموذج عالمي” لكيف يعيش الإنسان مع الطبيعة لا ضدها، وإما أن يضيع في دوامة الاجتماعات. سقطرى ليست ملك أهلها فقط، هي أمانة عالمية. وهذا القرار إما أن يكون بداية الوفاء بهذه الأمانة، أو تأخيراً آخر في طريق لا يحتمل التأخير.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img