آخر الأخبار

spot_img

كيف أصبحت الخارجية اليمنية في مرمى نيران الاستقطاب السياسي المحلي والتقييم الإعلامي والشعـبـ(و)ي؟

“صحيفة الثوري” – (رأي):

د. مصطفى ناجي الجبزي

أحجمت منذ فترة طويلة عن الخوض في شؤون الخارجية اليمنية وفي العمل الدبلوماسي اليمني.

لكن هناك عودة إعلامية اشبه بترند منظم يتناول الخارجية الان وبطريقة غير واقعية. فهناك مطالبات واستنكار لغياب السفارات في إدلاء تصريحات أو مواقف من الوضع الراهن.

وهذه المطالب لا ترى في الدبلوماسية إلا الرسالة الموجهة إلى الداخل اليمني وتجعل من السفراء والدبلوماسيين نظراء للإعلاميين وللأسف انجر ببعض الدبلوماسيين والسفراء إلى هذه الدوغمايية لأنها تناسب عقليتهم وتصورهم لمهامهم وتطلعهم للنجومية. وتجاهلوا مهمتهم الحقيقية التي تكمن في التمثيل ونقل رسالة الدولة إلى الدولة المستضيفة وإعلامها وأكاديمييها.

لذا أجدني مضطرا للحديث عن الخارجية في هذه اللحظة –من دراية تامة ان ما سأكتبه لن يعجب أحداً– لا من باب التقييم ولكن من باب التفسير والشرح خصوصاً على سؤال جوهري هو:
كيف أصبحت الخارجية اليمنية في مرمى نيران الاستقطاب السياسي المحلي والتقييم الإعلامي والشعـبـ(و)ي؟

أربعة أسباب هي:
أولاً: استجرار ذهنية 2011: هيمنت ذهنية 2011، التي ركزت على الظهور الإعلامي وعلنية المواقف لموظفي الدولة، وافترضت أن على الجميع المجاهرة بموقفهم من القضايا الداخلية (الثورة أو النظام). امتدت هذه الذهنية إلى أداء الحكومة والسياسة الخارجية، وأخضعتها لمقصلة المحاكمة الأخلاقية. وما زلنا، إلى حد كبير، نراهن على فكرة “الانضمام إلى الثورة” في تقييم الأداء.

ليس مهمة السفير أو عضو البعثة أن يظهر في القنوات العربية ليعلن عن موقفه ودعمه للقيادة. مهمته التواصل مع المؤسسات في بلد الاستضافة ورفع تقارير وقيادة وزارته هي المعنية بتقييم أدائه.

وتكون أقدر على التقييم عندما تضعه أمام مجموعة مهام واضحة قابلة للتقييم.

ثانياً: إشكالية هيكلة الحكومة: أدى تشكيل الحكومة وفق حسابات المحاصصة السياسية والجهوية إلى إلحاق وزارة الخارجية برئاسة الوزراء، بعد أن ظل المنصبان منفصلين لعقود. هذا الاستحداث أصاب الوزارة بالشلل، ولو امتلك مهندسو تلك المرحلة رؤية أبعد لما تركوا الخارجية رهينة لهذه الصيغة.

ثالثاً: انتقال الاستقطاب إلى مستوى جديد: بعد تراجع حضور المجلس الانتقالي في الاستقطاب داخل الوظيفة العامة، انتقل الاستقطاب إلى دوائر أخرى لا تزال تنظر إلى الوظيفة العامة بوصفها غنيمة.

يكشف وضع وزارة الخارجية محدودية صيغة تشكيل الحكومة الحالية، وعجزها عن معالجة الاختلالات البنيوية في مؤسسات الدولة. يقول المثل اليمني: صاحب المهرتين كذاب. ويقول مثل آخر من اكل باليدين اختنق.

رابعاً: وهذا لا يقل أهمية عن ثانياً وثالثاً: التآكل الداخلي للوزارة: رغم أن الانقلاب الحوثي–الصالحي أصاب معظم مؤسسات الدولة بالشلل، ظلت وزارة الخارجية واجهة الدولة في الخارج، وحافظت على قدر من فاعلية الدولة وربط مصالح اليمنيين بالعالم، ومنعت الحوثيين من الاستحواذ الكامل عليها.

لكن –وما ادراك ما لكن– قصر النظر في إدارتها، والعبث بالتوظيف والتعيينات المخالفة، وسوء إدارة الموارد، والتعامل مع الوزارة باعتبارها غنيمة، والتفريط بالكفاءات، وعدم احترام قانون السلك الدبلوماسي في التعيين والترقية، كلها عوامل أضعفت الوزارة تدريجياً.

كما أسهم جمود تعيين السفراء (وعدد منهم لا يصل في مهارته وكفاءته وعزمه واحترامه للدولة التي يمثلها أن يكون ملحقا دبلوماسيا ما بالكم بأن يكون سفيراً في لحظة حرجة تتطلب خطاب واحد ورسالة واحدة وولاء واحد)، وتقليص المخصصات والرواتب، وإدارة العمل الدبلوماسي بمنطق الرواتب لا المهام، في إنهاكها.

لكن لا يعلم فان الدبلوماسية اليمنية تعاني بشكل مزمن ومنذ عشرات السنين من تضخم الوظيفة المالية والإدارية على حساب الطاقم الدبلوماسي بسبب تلاشي الكادر والقنصلي.

بمعنى آخر وتقريبي نفقات التشغيل أكثر من المهمة المنجزة.

رغم أن الدبلوماسيين تقلصوا إلى أكبر حد مع الوقت، وهرم الدبلوماسية معتل تماماً ومنكوس، ومصاب بالطفيليات المتسربة بمذكرات التوظيف والتعيين ورغم ان الدبلوماسيين في السفارات بلا رواتب أساسية منذ 14 شهراً، هناك تكالب على الالتحاق بها خصوصاً في درجات سفير وقد يكون هذا السبب الرئيس للوضع الأخير.

وما يجري اليوم قد يكون الطلقة الأخيرة في جسد الدبلوماسية اليمنية. وأول المعالجات عملية فصل سيامي بين رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img