صحيفة الثوري – خاص:
د. معاذ عبدالفتاح الصوفي
في الأدبيات المعاصرة، لم يعد التحول الرقمي يُنظر إليه بوصفه مشروعًا لتحديث البنية التقنية أو رقمنة الخدمات الحكومية، بل أصبح أحد أهم أدوات إعادة بناء الدولة وتعزيز قدرتها المؤسسية والاقتصادية والأمنية. وقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن التحول الرقمي الناجح يبدأ بإعادة هندسة مؤسسات الدولة، وإصلاح آليات الحوكمة، وإدارة البيانات باعتبارها أصلًا استراتيجيًا، قبل أن يبدأ بشراء الأجهزة أو تطوير التطبيقات.
غير أن استنساخ هذه التجارب في اليمن لن يقود بالضرورة إلى النتائج ذاتها. فاليمن لا يواجه تحديات دولة نامية تسعى إلى تحديث خدماتها فحسب، بل يعيش ظروف دولة هشة تعاني من انقسام مؤسسي، وتفاوت في القدرات الإدارية، وضعف في البنية التحتية، واستمرار الصراع. ولهذا فإن التحول الرقمي في اليمن يحتاج إلى نموذج وطني خاص، ينطلق من الواقع المحلي، ويحول الهشاشة إلى فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر مرونة وكفاءة واستدامة.
إن من الأخطاء الشائعة اختزال التحول الرقمي في إنشاء منصات إلكترونية أو رقمنة المعاملات الورقية، بينما الحقيقة أن التكنولوجيا لا تعالج ضعف المؤسسات إذا بقيت الإجراءات نفسها معقدة وغير فعالة. فالرقمنة لا تعني نقل البيروقراطية إلى شاشة الحاسوب، بل إعادة تصميم الإجراءات والسياسات بما يجعل الخدمة أكثر كفاءة وشفافية وتركيزًا على احتياجات المواطن.
ولذلك فإن التحول الرقمي يمثل في السياق اليمني فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق نموذج حديث يعتمد على البيانات، ويعزز سرعة اتخاذ القرار، ويرفع جودة الخدمات العامة، ويحد من مظاهر الفساد الإداري والمالي التي تغذيها الإجراءات التقليدية.
تعتمد معظم استراتيجيات التحول الرقمي في العالم على وجود مؤسسات مستقرة، وتشريعات نافذة، وبنية تحتية متماسكة، إلا أن هذه الافتراضات لا تنطبق بالكامل على اليمن. ومن هنا، فإن نجاح التحول الرقمي يتطلب تبني نهج تدريجي ومرن، يبدأ بالمؤسسات الواقعة ضمن نطاق الحكومة الشرعية، مع تصميم الأنظمة وفق معايير مفتوحة وقابلة للتكامل مستقبلًا، بما يضمن سهولة توحيدها عند استكمال بناء مؤسسات الدولة. كما إن بناء أنظمة قابلة للتشغيل البيني منذ البداية يمثل استثمارًا طويل الأمد، ويجنب الدولة تكلفة إعادة بناء الأنظمة مستقبلاً، كما يضمن استمرارية الخدمات رغم التحديات السياسية والإدارية.
وأصبحت البيانات اليوم أحد أهم عناصر القوة الوطنية، فهي تمثل الأساس الذي تُبنى عليه السياسات العامة، وتُدار من خلالها الموارد، وتُقاس بها كفاءة المؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومة وطنية لإدارة البيانات يجب أن يشكل أولوية في أي برنامج للتحول الرقمي. ولا يقتصر الأمر على جمع البيانات، بل يمتد إلى وضع معايير موحدة لجودتها، وآليات لتبادلها بين الجهات الحكومية، مع توفير مستويات عالية من الحماية والخصوصية. فالدولة التي لا تمتلك بيانات دقيقة وموثوقة، تجد نفسها عاجزة عن التخطيط الفعال، أو تقييم الأداء، أو اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة.
وفي الحالة اليمنية، يكتسب هذا البعد أهمية إضافية، إذ إن امتلاك سجل وطني موثوق للهوية والسكان والأراضي والأنشطة الاقتصادية يسهم في تعزيز السيادة المعلوماتية، ويمنح الدولة أدوات أكثر فاعلية في إدارة الموارد والتخطيط للتنمية. ولا يمكن الحديث عن حكومة رقمية دون منظومة متكاملة للأمن السيبراني. فكل خدمة رقمية جديدة توسع من مساحة التعرض للمخاطر الإلكترونية، وتجعل حماية البيانات والبنية التحتية الرقمية جزءًا من الأمن الوطني. ولهذا ينبغي أن يتزامن برنامج التحول الرقمي مع بناء إطار وطني للأمن السيبراني يشمل التشريعات، وإدارة المخاطر، والاستجابة للحوادث، وتأهيل الكوادر الوطنية، وإنشاء مراكز عمليات أمنية قادرة على حماية الخدمات الحكومية الحيوية. كما أن توزيع مراكز البيانات، وتوفير نسخ احتياطية جغرافية، واعتماد معايير الأمن منذ مرحلة التصميم، يمثل عناصر أساسية لضمان استمرارية الخدمات حتى في البيئات المعقدة.
ويشكل الذكاء الاصطناعي اليوم فرصة للدول التي تسعى إلى تحسين كفاءة الإدارة العامة. وفي اليمن يمكن توظيفه في تحليل البيانات الحكومية، ورصد أنماط الفساد المالي والإداري، ودعم التخطيط للخدمات، وتحسين إدارة الموارد، إضافة إلى المساهمة في التنبؤ بالأزمات الإنسانية والاقتصادية من خلال تحليل البيانات المتاحة. غير أن نجاح هذه التطبيقات يظل مرتبطًا بتوافر بيانات موثوقة، وأطر أخلاقية وتشريعية واضحة، وكفاءات وطنية قادرة على تطوير هذه الحلول وإدارتها.
ولإجتراح خارطة طريق يمنية للتحول الرقمي، يتطلب الانتقال نحو الدولة الرقمية رؤية مرحلية تقوم على أربع ركائز رئيسية تتمثل في: بناء إطار وطني للحوكمة الرقمية يحدد الأدوار والمسؤوليات ويقود عملية التحول، وتطوير البنية التحتية الرقمية والهوية الوطنية الرقمية ومنظومة إدارة البيانات، ودمج الأمن السيبراني في جميع مراحل تصميم وتشغيل الخدمات الرقمية، إضافة إلى الاستثمار في بناء القدرات الوطنية، وتحفيز الشراكات مع القطاع الخاص والجامعات والمنظمات الدولية.
بيد أن نجاح هذه الخارطة يظل مرهوناً بمعالجة عائقين بنيويين؛ أولهما: الانقسام النقدي والمصرفي الحالي الذي يستلزم ابتكار حلول مرنة لبناء بوابة مدفوعات رقمية موحدة تتجاوز أزمة تفاوت أسعار الصرف، وثانيهما: اتساع الفجوة الرقمية والأمية التقنية لدى المواطن في الريف والحضر، مما يتطلب التزاماً صارماً بمبدأ “الشمول الرقمي” وتبسيط واجهات المستخدم لتلائم البيئة المحلية. و لا ينبغي أن يقاس نجاح التحول الرقمي بعدد التطبيقات أو المواقع الإلكترونية، بل بقدرته على تحسين حياة المواطنين، ورفع كفاءة المؤسسات، وزيادة الشفافية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن التحول الرقمي في اليمن ليس مشروعًا تقنيًا مؤقتًا، بل خيارًا استراتيجيًا لإعادة بناء الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات المستقبل. وإذا كانت هشاشة المؤسسات تمثل اليوم أحد أبرز التحديات، فإنها في الوقت نفسه تمنح فرصة لإعادة تصميمها وفق نموذج رقمي أكثر مرونة وكفاءة، بعيدًا عن إرث البيروقراطية التقليدية. كما أن بناء الدولة الرقمية يبدأ ببناء مؤسسات قادرة على إدارة البيانات، واتخاذ القرار على أساس المعرفة، وتقديم خدمات تتمحور حول المواطن، وحماية فضائها السيبراني باعتباره جزءًا من سيادتها الوطنية. وعندها فقط يصبح التحول الرقمي ليس مجرد تحديث للتقنيات، بل مشروعًا وطنيًا لإعادة تأسيس الدولة على أسس حديثة تواكب متطلبات القرن الحادي والعشرين.

