“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د. محمد فاضل الفقيه
في اللحظات التي تضيق فيها الأنفاس، وتتداعى فيها ذكريات العمر على شريطٍ طويل من الشجن، لا يجد الإنسان عزاءه إلا في استحضار أرواحٍ كانت للوطن وللصداقة مناراتٍ لا تطفئها رياح الرحيل. بالأمس، ترجل عن صهوة الحياة رفيق الدرب، العميد الركن المظلي مسعد طاهر مثنى الظاهري؛ ذلك الفارس الذي لم تكن مسيرته مجرد رتبٍ عسكرية، بل كانت فصولاً من الوفاء والمبدأ.
يا رفيق الدرب.. كيف أكتب عن رحيلك وأنت الذي كنت دائماً في مقدمة الصفوف؟ لقد كنتَ ذلك “المنيع” الذي خبرته الساحات، وعرفته الميادين، وشهدت على شجاعته القمم. اليوم، أستعيد تلك الصور التي جمعتنا، حين كانت أحاديثنا لا تتوقف عند حدود الذات، بل كانت تمتد لتشمل الوطن، وتضحيات الأسر المناضلة، وتلك الجذور التي غرست فينا معنى “أن تكون وفياً لقيمك حتى في أحلك الظروف”.
لقد كانت رفاقتنا ميثاقاً غير مكتوب، قام على طهارة المقصد ونقاء السريرة. مررنا معاً بمنعطفات الحياة، كما مررتَ أنت بمنعطفاتك العسكرية والوطنية التي جسدت فيها – بمواقفك الصادقة في أحداث 1994 وغيرها – معنى أن يكون العسكري مخلصاً لقناعاته، لا يلين أمام صروف الدهر، ولا ينكسر أمام سطوة المصالح.
إن رحيلك يا رفيقي “…” ليس مجرد غيابٍ لقائدٍ عسكري أو زميل، بل هو فقدٌ لمدرسةٍ في الانضباط، ولنموذجٍ في التواضع والشهامة. لقد كنتَ “البوصلة” التي تذكرني دائماً بجوهر الصداقة؛ تلك التي لا تعرف المجاملة، بل تعرف الصدق الذي يجمع القلوب على محبة الوطن والناس.
اليوم، وأنا أنظر إلى مسيرتك التي ابتدأت من قرية الظاهرة، مروراً برياح النضال والنزوح، وصولاً إلى ميادين البطولة في الداخل والخارج، أجد أنني لا أرثي صديقاً فحسب، بل أرى تاريخاً من الطموح والمكابدة. سأظل أبحث عنك في زوايا المكان، وفي الأفكار التي تشاركنا بناءها، وفي الروح الوطنية التي لم تكن تعرف الانكسار.
يا رفيق الدرب، إن الحزن عليك ليس ضعفاً، بل هو وفاءٌ يليق برجلٍ استثنائي في عطائه. سأحمل ذكراك كأمانة، وسأظل أروي للأجيال أننا عرفنا في هذا الزمن القاسي رجالاً كانوا أطهر من الغمام، وأشجع من عواصف الجبال.
رحمك الله يا من كنت لي أخاً، وصديقاً، ورفيقاً لم تخذلني يوماً. رحلتَ وبقيتَ، سكنتَ الذاكرة واستوطنتَ الحنايا، وإلى أن يحين اللقاء، ستبقى غصة الحنين هي العنوان الأصدق لكل ما أكتبه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

