آخر الأخبار

spot_img

فكّ شيفرة العلاقة الإيرانية الإماراتية… هل انتهى زمن “الاقتصاد أوّلاً”؟

صحيفة الثوري – كتابات:

كتب/ علي نجات — لــ رصيف22

لطالما شكّلت العلاقة بين إيران والإمارات العربية المتحدة واحدةً من أكثر العلاقات تعقيداً وتناقضاً في الشرق الأوسط؛ فهي علاقة نسجتها المصالح الاقتصادية العميقة، لكنها أُثقلت في الوقت نفسه بالشكوك الأمنية والتنافس الجيوسياسي والصراعات الإقليمية المتشابكة.

الإمارات، خصوصاً دبي، التي كانت الرئة الاقتصادية التي تنفّست عبرها إيران في سنوات الحصار والعقوبات، تحوّلت تدريجياً إلى أحد أبرز الخصوم الإقليميين لطهران في معادلات النفوذ والتحالفات الجديدة في الشرق الأوسط.

هذه العلاقة لم تنتقل فجأةً من التعاون إلى التوتر، بل جاءت نتيجة تحوّلات متراكمة أعادت رسم موازين القوى في المنطقة، بدءاً من تصاعد الاستقطاب الإقليمي، مروراً بتدويل أمن الخليج، وصولاً إلى انخراط الإمارات المتزايد في التحالفات الغربية والتقارب مع إسرائيل.

وبينما ظلّ الاقتصاد لعقود قادراً على احتواء الخلافات السياسية بين البلدين، إلا أنّ الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة على إيران، دفعت العلاقة بينهما إلى مرحلة غير مسبوقة من التصعيد والخصومة المفتوحة.

مرحلة التعايش البراغماتي

منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى بدايات العقد الثاني من الألفية الجديدة، قامت العلاقات الإيرانية-الإماراتية على قاعدة براغماتية واضحة: الاقتصاد أوّلاً.


” استحوذت الإمارات على نحو 80% من حجم التجارة بين إيران ودول الخليج، فيما بلغ التبادل التجاري بين البلدين ذروته عام 2011، بنحو 23 مليار دولار، قبل أن يتراجع تدريجياً بفعل العقوبات الغربية والأمريكية، لكنه حافظ حتى عام 2014 على مستوى تجاوز 15 مليار دولار سنوياً “


خلال هذه المرحلة، تحوّلت دبي إلى أهمّ مركز مالي وتجاري لإيران في المنطقة، حيث نشطت آلاف الشركات الإيرانية داخل الإمارات، فيما مرّت نسبة كبيرة من واردات إيران عبر الموانئ الإماراتية.

بالنسبة لإيران، مثّلت الإمارات منفذاً للوصول إلى الاقتصاد العالمي، وقناةً للالتفاف على القيود المصرفية والعقوبات، ومركزاً لوجستياً لإعادة التصدير والتجارة الإقليمية.

أما الإمارات، فقد استفادت بدورها من تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال الإيرانية، وتنشيط قطاع إعادة التصدير، واتساع السوق الإيرانية، وتعزيز مكانتها كمحور تجاري رئيس في الخليج.

خلال تلك الفترة، ظلّ الاقتصاد قادراً على احتواء التوترات السياسية، إذ لم تسمح المصالح التجارية المتبادلة بانزلاق العلاقة إلى مواجهة مباشرة، حتى بعد تراجع مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عقب عام 2016.

تشير التقديرات إلى أنّ الإمارات استحوذت على نحو 80% من حجم التجارة بين إيران ودول الخليج، فيما بلغ التبادل التجاري بين البلدين ذروته عام 2011، بنحو 23 مليار دولار، قبل أن يتراجع تدريجياً بفعل العقوبات الغربية والأمريكية، لكنه حافظ حتى عام 2014 على مستوى تجاوز 15 مليار دولار سنوياً.

وكانت دبي وحدها تمثّل ما يقارب 90% من هذا التبادل التجاري بحسب أرقام قديمة لوزارة الاقتصاد الإيرانية. كما شهدت الإمارات حضوراً اقتصادياً إيرانياً واسعاً، إذ سُجّل نحو 8 آلاف شركة وتاجر إيراني داخل الدولة، بينما قُدّرت الاستثمارات الإيرانية في الإمارات بما يتراوح بين 200 و300 مليار دولار، لتحتلّ المرتبة الثانية بعد الاستثمارات الأمريكية، وفق تقديرات مجلس الأعمال الإيراني في دبي.

كذلك، شكّلت ثروات الجالية الإيرانية نسبةً معتبرةً من الأصول المادية داخل الإمارات. ولهذا السبب، حرصت القيادة الإماراتية، وخصوصاً دبي، على تجنّب القطيعة الكاملة مع إيران. ففي مقابلة تلفزيونية عام 2014، قال حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إنّ إيران “دولة جارة” وإنّ أيّ تفاهم بينها وبين الولايات المتحدة ورفع العقوبات عنها “سيعود بالنفع على الجميع”.

حتى ما قبل حرب عام 2026، بقيت الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين. فقد تراوح حجم الصادرات الإماراتية إلى إيران بين 22 و25 مليار دولار سنوياً، شملت الهواتف وأجهزة الكمبيوتر والسلع الاستهلاكية والمواد الوسيطة، بينما بلغت الواردات الإيرانية غير النفطية من الإمارات في بعض السنوات نحو 20 مليار دولار. كما صدّرت إيران إلى الإمارات المواد الغذائية، والمنتجات البتروكيماوية، والوقود، والمنتجات الزراعية. وبرغم توقيع الإمارات اتفاقات التطبيع مع إسرائيل، لم تتراجع العلاقات الاقتصادية مع إيران، بل واصلت نموّها بصورة لافتة. فقد ارتفع حجم التجارة الثنائية من نحو 14.5 مليارات دولار عام 2019 إلى أكثر من 27 مليار دولار بين عامَي 2024 و2025، وسط توقّعات بأن تصل إلى 30 مليار دولار خلال السنوات التالية.

وقد حذّرت غرفة التجارة الإيرانية-الإماراتية من تسييس العلاقة الاقتصادية مع أبو ظبي بعد “اتفاقات أبراهام”، مؤكدةً أنّ إيران، في ظلّ العقوبات، لا تملك بدائل تجاريةً كثيرةً، وأنّ الإمارات تمثّل القناة الأساسية لتجارتها غير النفطية والتفافها على القيود الاقتصادية.

إلا أنّ حرب 2026، شكّلت نقطة تحول حاسمةً في مسار العلاقة بين طهران وأبو ظبي. فقد أدّت الحرب إلى انهيار جزء كبير من الثقة المتبادلة، ودفعت العلاقة إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر السياسي والأمني. فبعد الحرب، تعرّضت العلاقات الاقتصادية لضرر بالغ، مع تقارير عن إغلاق مدارس ومستشفيات ومراكز إيرانية في دبي، بالإضافة إلى مناقشات تتعلق بتجميد أو تقييد أصول إيرانية بمليارات الدولارات داخل الإمارات.

في المقابل، بدأت طهران بالبحث عن بدائل تجارية جديدة، عبر تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع سلطنة عمان وباكستان، بهدف تقليل اعتمادها التقليدي على الإمارات كممر اقتصادي رئيس.

الجزر الثلاث واليمن والتطبيع مع إسرائيل

إذا كان الاقتصاد قد شكّل لعقود طويلة مساحةً للتقارب والتعايش بين إيران والإمارات العربية المتحدة، فإنّ الملفات الجيوسياسية والأمنية ظلّت العامل الأكثر تأثيراً في صناعة الشكوك المتبادلة بين البلدين. فالعلاقة بين طهران وأبو ظبي لم تُبنَ يوماً على الثقة الكاملة، بل بقيت محكومةً بإرث تاريخي من الخلافات الحدودية، وبصراعٍ متصاعد على النفوذ الإقليمي، وباختلافات عميقة في الرؤية تجاه أمن المنطقة وترتيباته السياسية والعسكرية.

تُعدّ قضية الجزر الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، حجر الزاوية في الخلاف التاريخي بين إيران والإمارات. وعلى الرغم من أنّ هذا الملف ظلّ لسنوات طويلة تحت السيطرة السياسية، إلا أنّه بقي مصدراً دائماً لانعدام الثقة، وعاد ليتحوّل في السنوات الأخيرة إلى قضية أمنية وسيادية شديدة الحساسية.

ترى إيران أنّ سيادتها على الجزر تعود إلى حقب تاريخية قديمة تمتد إلى العهود العيلامية والفارسية المتعاقبة، وتؤكّد أنّ الجزر جزء لا يتجزأ من أراضيها التاريخية.


أصبحت قضية الجزر الثلاث رمزاً للصراع السيادي بين البلدين، وخلال الأعوام 2023-2026، تصاعد التوتر حولها مجدداً، بالتزامن مع المناورات العسكرية الإيرانية في الخليج.


أما الإمارات، فتقول إنّ الجزر كانت خاضعةً تاريخياً لحكام عرب، وإنّ السيطرة الإيرانية عليها بعد الانسحاب البريطاني عام 1971 تمثّل “احتلالاً” يجب إنهاؤه عبر التفاوض أو التحكيم الدولي. ومع انسحاب بريطانيا من الخليج نهاية عام 1971، تحرّكت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي لبسط سيطرتها على الجزر، وتمّ توقيع مذكرة تفاهم مع حاكم الشارقة بشأن جزيرة أبو موسى برعاية بريطانية، نصّت على تقاسم الإدارة والعوائد النفطية، في حين فرضت طهران سيطرتها الكاملة على طنب الكبرى وطنب الصغرى.

لكن منذ مطلع التسعينيات، عاد الملف إلى الواجهة بصورة أكثر حدّةً، خصوصاً بعد تعزيز إيران وجودها العسكري في أبو موسى، وفرض إجراءات تنظيمية على دخول الأجانب إليها، الأمر الذي عدّته الإمارات تغييراً أحادياً في الوضع القائم. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت قضية الجزر إلى بند ثابت في بيانات مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية، فيما واصلت الإمارات المطالبة بحلّ النزاع عبر محكمة العدل الدولية أو المفاوضات المباشرة.

في المقابل، رفضت إيران باستمرار أيّ نقاش حول سيادتها على الجزر، وعدّت الملف شأناً داخلياً غير قابل للتفاوض.

مع مرور الوقت، أصبحت قضية الجزر رمزاً للصراع السيادي بين البلدين، وعاملاً دائماً يعرقل أيّ تقدّم حقيقي في العلاقات السياسية. وخلال الأعوام 2023-2026، عاد التوتر حول الجزر إلى الواجهة مجدداً، بالتزامن مع المناورات العسكرية الإيرانية في الخليج، والتصريحات المتبادلة بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي. وأكدت إيران مراراً أنّ “الحقائق التاريخية والجغرافية والقانونية” لا يمكن تغييرها، في حين واصلت الإمارات تحرّكاتها الدبلوماسية لتدويل القضية وكسب دعم عربي ودولي لموقفها.

إلى جانب الخلاف الحدودي، لعبت التحولات الإقليمية دوراً حاسماً في توسيع الفجوة بين إيران والإمارات. فمنذ الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ظهرت اختلافات واضحة في الحسابات الأمنية بين الطرفين. فعلى الرغم من التزام الإمارات رسمياً الحياد خلال الحرب، دعمت أبو ظبي العراق سياسياً ومالياً، بينما حافظت دبي والشارقة على علاقات تجارية واسعة مع إيران.

لكن التحول الأكبر جاء بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، إذ اعتبرت دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، أنّ النفوذ الإيراني في المنطقة بدأ يتوسع بصورة غير مسبوقة، سواء في العراق أو لاحقاً في سوريا ولبنان واليمن.

ومع اندلاع الربيع العربي عام 2011، دخلت العلاقات الإيرانية-الإماراتية مرحلةً أكثر توتراً. فقد تبنّت أبو ظبي، خصوصاً بعد صعود الشيخ محمد بن زايد، سياسةً خارجيةً أكثر تدخلاً وطموحاً، هدفت إلى مواجهة صعود الحركات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، احتواء النفوذ الإيراني والتركي في المنطقة، وترسيخ دور الإمارات كقوة إقليمية مؤثرة.

في هذا السياق، دعمت الإمارات التحالف العربي في اليمن، وشاركت في ملفات ليبيا وسوريا ومصر، بينما اتهمت إيران أبو ظبي بالانخراط في مشاريع تستهدف إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية ضدها.

في المقابل، اتّهمت الإمارات طهران بدعم الميليشيات الطائفية والتدخل في الشؤون العربية. وقد تحولت الحرب في اليمن إلى إحدى أبرز ساحات الصراع غير المباشر بين البلدين، حيث رأت الإمارات أنّ تنامي نفوذ الحوثيين المدعومين من إيران يمثّل تهديداً مباشراً لأمن الخليج والممرّات البحرية الإستراتيجية.

وقد تأثّرت العلاقات الإيرانية-الإماراتية أيضاً بطبيعة العلاقة بين طهران والرياض، نظراً إلى التحالف الإستراتيجي بين السعودية والإمارات. فمع تصاعد التوتر السعودي-الإيراني، خصوصاً بعد الهجوم على البعثات الدبلوماسية السعودية في إيران عام 2016، اتخذت الإمارات موقفاً متشدداً تجاه طهران، وقلّصت مستوى تمثيلها الدبلوماسي لديها. وأصبحت أبو ظبي أقرب إلى الرؤية الخليجية التي تعدّ إيران التهديد الأمني الأبرز في المنطقة، حتى وإن حاولت لاحقاً اعتماد سياسة أكثر براغماتيةً لتخفيف التوترات وحماية مصالحها الاقتصادية.

کما شكّل توقيع الإمارات اتفاقات التطبيع مع إسرائيل عام 2020، نقطة تحوّل مفصلية في العلاقات مع إيران. فمن وجهة نظر طهران، لم يكن الأمر مجرّد تطبيع دبلوماسي، بل خطوة إستراتيجية سمحت بدخول إسرائيل إلى البنية الأمنية للخليج، وفتحت الباب أمام تعاون استخباراتي وعسكري وتقني بالقرب من الحدود الإيرانية.

منذ تلك اللحظة، بدأت إيران تنظر إلى الإمارات ليس فقط كشريك اقتصادي أو منافس إقليمي، بل كجزء من شبكة إقليمية ودولية تهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني. وقد أثارت الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الإسرائيليين والإماراتيين، والتعاون الأمني والعسكري المتنامي بين الجانبين، قلقاً متزايداً في طهران، خصوصاً مع الحديث عن تدريبات عسكرية مشتركة، وتعاون استخباراتي، وشراكات في مجالات الدفاع والتكنولوجيا الأمنية. وردّ المسؤولون الإيرانيون بسلسلة من التحذيرات الحادّة، مؤكّدين أنّ أيّ استخدام للأراضي الإماراتية أو أجوائها في عمليات تستهدف إيران سيُعدّ تجاوزاً للخطوط الحمراء، وقد يقود إلى مواجهة مباشرة.

على المستوى الدولي، لعبت الولايات المتحدة دوراً أساسياً في تعميق التباعد بين إيران والإمارات. ففي الوقت الذي تطالب فيه طهران بانسحاب القوات الأمريكية من الخليج، ترى أبو ظبي أنّ الوجود العسكري الأمريكي يشكّل ضمانةً أمنيةً أساسيةً في مواجهة التهديدات الإقليمية.

وتستضيف الإمارات قواعد عسكريةً أمريكيةً مهمةً، أبرزها قاعدة الظفرة الجوية، التي تمثّل أحد أهم مراكز الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة. كما دعمت أبو ظبي سياسة الضغط الأقصى التي تبنّتها إدارة الرئيس الأمريكي في فترته الأولى دونالد ترامب ضد إيران، ورحّبت بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018.

ترى القيادات الإماراتية أنّ البرنامج النووي الإيراني، حتى من دون امتلاك سلاح نووي، يشكّل مصدر تهديد إستراتيجي طويل الأمد لأمن الخليج. ولهذا، دعمت الإمارات الجهود الأمريكية الرامية إلى احتواء إيران سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

وبرغم كلّ هذه الخلافات، حاولت الإمارات خلال السنوات الأخيرة الحفاظ على نوع من التوازن الدقيق بين التصعيد والتهدئة مع إيران، إدراكاً منها لحساسية موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها الاقتصادية مع طهران.

غير أنّ استمرار التوترات الإقليمية، وتوسّع التعاون الإماراتي-الإسرائيلي، وتزايد عسكرة الخليج، جعل العلاقة بين البلدين أكثر هشاشةً من أيّ وقت مضى.

من شريك اقتصادي إلى خصم معادٍ

شكّلت حرب عام 2026، أخطر نقطة تحوّل في تاريخ العلاقات الإيرانية-الإماراتية المعاصرة. فعلى مدى عقود، قامت العلاقة بين البلدين على معادلة شديدة التعقيد؛ تعاون اقتصادي واسع يقابله تنافس سياسي وأمني متزايد.

غير أنّ الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران دفعت هذه العلاقة الهشّة إلى حافة الانفجار، وحوّلت الإمارات في الخطاب الإيراني من شريك اقتصادي لا غنى عنه إلى خصم معادٍ يُنظر إليه باعتباره جزءاً من منظومة إقليمية تعمل على احتواء إيران واستنزافها.

قبل اندلاع الحرب بأيّام، حاولت أبو ظبي التأكيد على تمسكها بسياسة الحياد، فأعلنت وزارة الخارجية الإماراتية أنّ أراضي الدولة وأجواءها ومياهها لن تُستخدم في أي هجوم عسكري ضد إيران، كما شدّدت على أنّ خفض التصعيد والحوار هما الطريق الوحيد لتجنّب كارثة إقليمية.

في الواقع، وبرغم الخلافات العميقة بين الجانبين بشأن الجزر الثلاث، والبرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي لطهران، فإنّ الإمارات لم تكن ترغب في حرب واسعة ضد إيران. وتشير تقارير صادرة عن الكونغرس الأمريكي في کانون الثاني/ يناير 2026، إلى أنّ أبو ظبي كانت تخشى بشدّة من انفجار إقليمي قد يهدّد أمن الخليج والاقتصاد العالمي، خصوصاً أنّ الإمارات تُعدّ من أكثر الدول عرضةً لأيّ ردّ إيراني بحكم موقعها الجغرافي واحتضانها للبنية العسكرية الأمريكية.

وفي هذا السياق، نشر “مركز الإمارات للسياسات” أنّ أيّ مواجهة عسكرية مع إيران تستوجب من واشنطن دراسة سيناريوهات الرد الإيراني المحتملة، بما في ذلك استهداف القواعد الأمريكية، وحلفاء واشنطن، وطرق الملاحة الدولية ومنشآت الطاقة، بالإضافة إلى تقدير مدى استعداد طهران لتوسيع نطاق الحرب قبل الإقدام على أيّ هجوم واسع ضد بنيتها السياسية والعسكرية.

لكن هذه السياسة القائمة على “الحياد الحذر” انهارت سريعاً مع اتساع العمليات العسكرية. فمع بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، رأت طهران أنّ استخدام القواعد والمنشآت والبنية اللوجستية الخليجية يعني عملياً دخول بعض دول الخليج، وفي مقدّمتها الإمارات، في دائرة المواجهة.


مع استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية، دخلت العلاقات الإيرانية-الإماراتية مرحلةً غير مسبوقة من العداء السياسي والأمني والعسكري. ففي الداخل الإيراني، تغيّر الخطاب تجاه الإمارات، وبدأت وسائل الإعلام تتحدّث عن أبو ظبي بوصفها “قاعدةً متقدمةً للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي” في الخليج


منذ تلك اللحظة، بدأ التحوّل الحقيقي في النظرة الإيرانية تجاه أبو ظبي.

وسرعان ما أصبحت الإمارات هدفاً مباشراً للهجمات الإيرانية، إذ تعرّضت مواقع حيوية ومنشآت مرتبطة بالوجود الأمريكي لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، شملت قواعد عسكريةً ومنشآت نفطيةً ومرافق لوجستيةً وموانئ إستراتيجية.

كانت الإمارات العربية المتحدة الدولة الأكثر تعرّضاً للهجمات الإيرانية، حيث استهدفتها الأخيرة بأكثر من 400 صاروخ باليستي، وأكثر من 2،000 طائرة مسيرة، و19 صاروخ كروز، الأمر الذي جعل الحرب تشكّل نقطة انعطاف غير مسبوقة في العلاقات بين البلدين.

ومع تصاعد الضربات، أغلقت الإمارات سفارتها في طهران في الأوّل من آذار/ مارس 2026، وسحبت بعثتها الدبلوماسية بالكامل، بينما اتهمت إيران أبو ظبي بالمشاركة الفعلية في العدوان عليها. كما اتخذت الإمارات الموقف الأكثر حدّةً بين دول مجلس التعاون الخليجي، إذ عملت على تعميق شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، عادّةً أنّ سياسات الانفتاح السابقة تجاه إيران لم تعد مجديةً في ظل التصعيد الراهن، وأنّ التراجع عن مسار التطبيع، بما في ذلك اتفاقيات أبراهام، لم يعد خياراً عملياً.

وفي خضم الحرب، أبدت أبو ظبي استعداداً للمشاركة في أيّ جهد عسكري يهدف إلى تقويض القدرات الإيرانية، خصوصاً في ما يتعلّق بأمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، دعا السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، إلى اعتماد مقاربة أكثر حزماً تجاه إيران، مشدّداً على ضرورة إنهاء “التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة” بشكل كامل، ومؤكّداً استعداد بلاده للمشاركة في مبادرات دولية لضمان أمن الممرات البحرية.

كما صرّح المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، بأنّ بلاده “لم تكن ترغب في الحرب لكنها خرجت منها منتصرةً”، داعياً إلى توفير ضمانات طويلة الأمد للحدّ من التهديدات الإيرانية بمختلف أشكالها.

وفي خلفية هذه المواقف، برزت أيضاً الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالجزر الثلاث؛ إذ رأت بعض الأوساط الإماراتية أنّ أيّ إضعاف لإيران قد يفتح الباب أمام إعادة طرح هذا الملف من جديد، ولا سيّما مع تداول تقارير تحدثت عن تدريبات عسكرية سابقة مرتبطة بعمليات إنزال محتملة في مناطق إستراتيجية.

وفي تطوّر جديد، عمدت إيران إلى إجراء تغييرات في النطاق الجغرافي لمضيق هرمز، حيث حدّدت مناطق الرقابة وإدارة المضيق بأنها تمتد “من خطّ يصل بين جبل مبارك في إيران وجنوب الفجيرة في الإمارات شرق المضيق، إلى الخط الواصل بين نهاية جزيرة قشم في إيران وأم القيوين في الإمارات غرب المضيق”.

وقد أثارت هذه الخطوة غضب الإمارات؛ إذ قال المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش، إنّ بلاده اعتادت على التنمّر الإيراني عبر عقود طويلة وأضاف أنّ “النظام الإيراني، بعد العدوان الظالم والوحشي والهزيمة العسكرية الواضحة، يسعى اليوم إلى فرض واقع جديد في المنطقة، إلا أنّ السيطرة على مضيق هرمز أو انتهاك السيادة البحرية للإمارات ليس سوى وهم”.

ومع استمرار الحرب، دخلت العلاقات الإيرانية-الإماراتية مرحلةً غير مسبوقة من العداء السياسي والأمني والعسكري. ففي الداخل الإيراني، تغيّر الخطاب تجاه الإمارات بصورة لافتة، وبدأت وسائل الإعلام تتحدّث عن أبو ظبي بوصفها “قاعدةً متقدمةً للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي” في الخليج.

وكتبت صحيفة كيهان، المقرّبة من دوائر صنع القرار في طهران، مقالاً بعنوان “لماذا تتصدر الإمارات قائمة تسوية الحسابات الإيرانية؟”، اعتبرت فيه أنّ أبو ظبي لم تكتفِ باستضافة القواعد الأمريكية، بل لعبت دوراً سياسياً وأمنياً مباشراً في الحرب، من خلال دعم التحالفات العسكرية في الخليج، وتعميق التعاون مع إسرائيل، ومحاولة استغلال الحرب لإعادة طرح ملف الجزر الثلاث.

وذهبت الصحيفة أبعد من ذلك عندما دعت إلى “ردع قاسٍ” ضد الإمارات، معتبرةً أنّ سلوكها خلال الحرب يختلف عن سلوك دول خليجية أخرى حاولت الحفاظ على قدر من الحياد، مثل سلطنة عمان وقطر. كما استخدمت لغةً حادةً وغير مسبوقة، تحدثت فيها عن ضرورة “تلقين الإمارات درساً إستراتيجياً” حتى لا تنخرط مستقبلاً في أي مشاريع معادية لإيران.

هذا التحوّل لم يقتصر على الإعلام، بل امتدّ إلى الخطاب السياسي والأمني الرسمي. فقد صرّح النائب الإيراني علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، بأنّ “العقيدة العسكرية الإيرانية الجديدة تتعامل مع الإمارات كما تتعامل مع إقليم كردستان العراق”، مضيفاً أنّ طهران باتت تعتبر الإمارات “قاعدةً معاديةً للعدو”.

أما المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، فنشر رسالةً باللغة العربية على منصة “إكس” قال فيها: “إذا رأيت نيوب الليث بارزةً/ فلا تظنّن أنّ الليث يبتسم”، في إشارة واضحة إلى التهديد المباشر للإمارات.

وفي السياق نفسه، قال السفير الإيراني الأسبق لدى الأردن ولبنان، أحمد دستمالجيان، إنّ محمد بن زايد “لوّث نفسه أكثر من اللازم وأغلق على نفسه طريق العودة”، مضيفاً أنّ “الصهاينة باتوا يمسكون بزمام القرار السياسي في أبوظبي”، وأنّ من مصلحة الإمارات العودة عن “سياسة العداء لشعوب المنطقة”.

وفي مشهد رمزي عكس حجم الغضب الإيراني، بثّ التلفزيون الرسمي الإيراني خلال أحد البرامج التدريبية، مشهداً لمقدّم البرنامج وهو يطلق النار باتجاه علم الإمارات بشكل رمزي، الأمر الذي أثار ضجةً واسعةً في وسائل الإعلام العربية، وعُدّ مؤشراً على مستوى التصعيد غير المسبوق في الخطاب الإيراني تجاه أبو ظبي.

في المقابل، تبنّت الإمارات خطاباً أكثر تشدّداً مع استمرار الحرب. فقد وصفت وزارة الخارجية الإماراتية الهجمات الإيرانية بأنها “أعمال إرهابية” و”اعتداءات سافرة” تهدّد أمن المدنيين واستقرار المنطقة، بينما أعلن رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد أنّ بلاده “ليست فريسةً سهلةً”، مؤكداً أنّ الإمارات “ستخرج أقوى من هذه الحرب”.

كما صعّد أنور قرقاش من لهجته تجاه إيران، معتبراً أنّ الحرب كشفت ضرورة وضع قيود طويلة الأمد على القدرات النووية والصاروخية الإيرانية.

وفي السياق نفسه، أثارت تصريحات ريم الهاشمي، وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي، غضباً واسعاً داخل إيران، بعدما وصفت الجمهورية الإسلامية بأنها “تزعزع قوة اقتصادات الخليج”، وتسلك “مساراً غير عقلاني”، واصفةً الإمارات بأنها من “الدول التي طالما دعت إلى التهدئة”، بينما تنفق إيران مواردها على الصواريخ والطائرات المسيّرة ودعم الجماعات المسلحة. وقد فُسّرت هذه التصريحات داخل طهران باعتبارها جزءاً من الحرب السياسية والإعلامية التي تخوضها أبو ظبي ضد إيران بالتوازي مع الحرب العسكرية.

كما عاد اسم السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة إلى الواجهة بقوة خلال الحرب، خصوصاً بعد إعادة تداول تسريبات قديمة كشفت حجم التنسيق بين أبو ظبي ومراكز أبحاث وشخصيات أمريكية وإسرائيلية في ملفات مرتبطة بمواجهة إيران.

وزاد الجدل بعدما نشر العتيبة مقالاً في “وول ستريت جورنال” بعنوان “الإمارات تقف في مواجهة إيران”، دعا فيه إلى “نتيجة حاسمة” تنهي كامل منظومة التهديد الإيرانية، بما يشمل البرنامج النووي والصاروخي والطائرات المسيّرة.

وأظهرت الحرب بوضوح أنّ سياسة “التحوّط” التي اتبعتها الإمارات طوال السنوات الماضية قد وصلت إلى نهايتها. فهذه السياسة قامت على محاولة الجمع بين الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع إيران من جهة أخرى. لكن الحرب كشفت أنّ هذا التوازن لم يعد ممكناً في ظلّ الاستقطاب الإقليمي الحادّ. فمن وجهة نظر طهران، لم يعد هناك مكان لما تسمّيه “الحياد الرمادي”، وأصبحت الإمارات تُعامَل باعتبارها جزءاً من المعسكر المعادي لإيران، لا مجرد دولة خليجية تحاول حماية مصالحها.

في المقابل، خرجت أبو ظبي من الحرب بقناعة مختلفة مفادها أنّ الانفتاح الاقتصادي على إيران لم يعد كافياً لضمان الأمن، وأنّ مستقبل الخليج بات مرتبطاً بصورة أكبر بالتحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وهكذا، دخلت العلاقات الإيرانية-الإماراتية مرحلةً جديدةً تتراجع فيها أولوية الاقتصاد لصالح الحسابات الأمنية والعسكرية.

ختاماً، يمكن القول إنّ حرب 2026 أنهت مرحلةً كاملةً من “التعايش البراغماتي” بين إيران والإمارات، وبدأت مرحلة جديدة يسيطر عليها الاعتبار الأمني والإستراتيجي. وبرغم أنّ الطرفين يدركان الكلفة الباهظة لحرب شاملة، إلا أنّ عودة الثقة بينهما تبدو صعبةً في المدى المنظور، وستظلّ العلاقة محكومةً بالحذر والتنافس الجيوسياسي لسنوات قادمة.


*أُنتج هذا الموضوع بالتعاون مع مؤسسة روزا لوكسمبرغ.


رابط المادة الأصلية على موقع: رصيف22