آخر الأخبار

spot_img

“عدن فلاي”.. سوسيولوجيا الابتزاز وهندسة الفوضى

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د. محمد فاضل الفقيه

لم يعد اسم “عدن فلاي” مجرد ناقل جوي في الذاكرة الجمعية لليمنيين، بل تحول إلى علامة فارقة لمظاهر التحلل المؤسسي والفوضى الممنهجة. إن ما يحدث في مكاتب هذه الشركة ليس مجرد ممارسات تجارية جشعة، بل هو انعكاس لنمط أوسع من “سوسيولوجيا الفساد” التي تُدار خارج أطر الرقابة، مستغلةً حاجة المواطن اليمني الماسة إلى التنقل، ومحولةً رحلته بين عدن والقاهرة إلى تجربة محفوفة بالإذلال.

إن فساد هذه المنظومة لا يتوقف عند حدود التلاعب بأسعار التذاكر، بل يتجاوزه إلى “اقتصاد الأزمات”، حيث أصبحت مكاتبها أسواقاً للمضاربة بمقاعد العودة. وعندما يُحاصر المواطن بأسعار خيالية تُفرض عليه تحت مسمى “إتاوات إضافية” تصل إلى مئات الدولارات، فإننا لا نواجه خرقاً للقانون فحسب، بل نواجه خللاً بنيوياً في أخلاقيات العمل التجاري، تعززه عقلية تسعى للربح السريع على أنقاض معاناة الناس.

إن الأخطر في هذا المشهد هو حالة “التواطؤ بالصمت” التي تمارسها السلطة التي تدّعي لنفسها أنها سلطة في المناطق التي تُصنف إدارياً بأنها “محررة”. ففي غياب الرقابة الفعلية، تتحول شركات الطيران ومكاتبها إلى كيانات “فوق قانونية”، تعبث بكرامة المسافر وجيبه دون وازع. إن هذا الصمت ليس حياداً، بل هو غطاء يمنح الفساد شرعيته، ويحوّل مؤسسات الدولة، إن كان هناك بقايا لمؤسسات كهذه، من حامٍ للمواطن إلى شاهدٍ على استباحته.

إن ما يعيشه اليمني اليوم ليس مجرد “أزمة سفر”، بل هو نتاج “هندسة للإذلال” تجعل من السفر رحلة في نفق مظلم، حيث يتكاتف جشع الشركات مع تواطؤ السلطة لخلق واقع لا يرى في اليمني إلا رقماً في معادلة الاستغلال. إن هذه المكاتب باتت مختبرات مصغرة لفساد كبير يلتهم ما تبقى من هيبة الدولة وكرامة الفرد، ويحوّل طموحه في التنقل إلى عبءٍ وجودي يثقل كاهله.

لقد آن الأوان لتعرية هذه الممارسات التي تقتات على الفوضى، فالسكوت عنها لم يعد موقفاً سلبياً فحسب، بل مشاركة في جريمة أخلاقية بحق آلاف اليمنيين الذين تتقاذفهم أمواج هذا الفساد دون نصير.