“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د. محمد فاضل الفقيه
في لحظات الوداع الأخيرة، يغادرنا الكبار لا ليطووا صفحات حياتهم، بل ليتحولوا إلى بوصلة في ذاكرة الأمة. رحل المفكر والقيادي الاشتراكي أنيس حسن يحيى، تاركاً خلفه إرثاً من النضال الشريف، وقلماً لم يعرف الانحناء أمام عواصف الاستبداد، وروحاً ظلت توّاقة إلى حلم الدولة المدنية العادلة.
لقد كان أنيس حسن يحيى علامة فارقة في تاريخنا السياسي والفكري. لم يكن مجرد قيادي في صفوف الحزب الاشتراكي، بل كان مثقفاً عضوياً أدرك مبكراً أن المعركة ليست على مقاعد السلطة، بل هي معركة وجود ضد ثقافة التخلف والتقاليد الزائفة التي تعيق نهوض المجتمع. وقد خاض حروبه الفكرية والسياسية بصلابة المناضل وهدوء الحكيم، واضعاً نصب عينيه دائماً كرامة الإنسان وحقه في العيش بحرية وعدالة.
لم تكن قناعاته السياسية وليدة لحظة عابرة، بل تشكلت في مرحلة مبكرة من وعيه، حيث كان إيمانه بالقومية العربية بمثابة البوصلة التي وجهت مساره النضالي. ففي ذلك الزمن، لم يكن الانتماء إلى القومية مجرد شعار عاطفي، بل كان التزاماً وجودياً بالتحرر من الاستعمار وتوحيد الصف العربي لمواجهة التحديات المصيرية. وقد تجلى دوره المبكر في الدفاع عن هذه القضية من خلال رؤية ناضجة؛ إذ نظر إلى القومية لا بوصفها عصبية انغلاقية، بل باعتبارها حركة تحرر وطني واجتماعي تهدف إلى بناء إنسان عربي متحرر من قيود التجزئة والاستلاب. وكان يدرك، بفكره الوقاد، أن استنهاض الأمة لا يتم إلا عبر الربط الجدلي بين القومية والديمقراطية، داعياً إلى نظام عربي يستمد شرعيته من إرادة شعوبه، لا من قمع نخبها المستبدة.
وفي رحاب الحزب الاشتراكي اليمني، لم يكن أنيس مجرد رقم في قائمة قيادية، بل كان ضميراً حياً يمارس النقد كفعل وجودي. لقد دخل إلى دهاليز السياسة متسلحاً بفكر مستنير، رافضاً أن يكون الحزب مجرد آلة طيعة في يد السلطة أو رهينة للديماغوجية. وعاش داخل الحزب حالة من «الاشتباك النبيل»؛ فهو الذي حمل قيم الاشتراكية الإنسانية، لكنه كان أول من يقف في وجه تحولها إلى «مقدس» يعلو فوق نقد الذات. وكان يرى في الحزب مشروعاً نهضوياً، لا قلعة محصنة ضد رياح التغيير، فيما ظل صوته يصدح بالدعوة إلى الديمقراطية والتعددية، مؤمناً بأن الدولة المدنية ليست مجرد شعار، بل ممارسة تبدأ من داخل الحزب قبل أن تمتد لتشمل الوطن.
إن مسيرة حياته كانت رحلة كفاح طويلة ضد التقاليد البالية التي حاولت تقييد العقل الجمعي، ووقوفاً شامخاً في وجه كل أشكال الاستبداد التي سعت إلى مصادرة الحلم الوطني. لقد آمن يحيى بأن الدولة ليست مجرد مؤسسات، بل هي عقد اجتماعي يقوم على المساواة والمواطنة، وهو الحلم الذي حمل شعلته حتى لحظاته الأخيرة، محذراً من تآكل القيم الوطنية، وداعياً إلى التمسك بنور العقل في ليل التعصب والظلام.
رحيلك يا أنيس خسارة فادحة لكل من آمن بأن الوطن لا يُبنى إلا بالقيم، ولا يستقيم إلا بدولة تحمي حقوق الجميع. لقد تركت بصمات لا تُمحى في وعي الأجيال، وستظل تذكرك الأجيال نموذجاً للمثقف الذي لم يبع ضميره، وللقيادي الذي لم يغره بريق السلطة عن قضايا الناس. كما ستظل حكايات نضالك نبراساً يهتدي به السائرون في دروب البحث عن وطن حر، وسيبقى اسمك محفوراً في ذاكرة الأحرار الذين لا يزالون يحلمون بتلك الدولة المدنية التي أفنيت عمرك في الدعوة إليها.
وداعاً أيها المناضل النبيل. ستظل روحك ترفرف فوق تضاريس هذا الوطن، مذكرة إيانا بأن الحق لا يموت ما دام هناك أحرار يحملون شعلته.

