“صحيفة الثوري” – خاص:
خليل الزكري
في الحادي والعشرين من فبراير 2012، وقف عبدربه منصور هادي في قاعة البرلمان يؤدي اليمين الدستورية، بعد انتخابه رئيسا توافقياً للبلاد.
جاء القسم عقب سنة على اندلاع ثورة شعبية سلمية أطاحت بأكثر رؤساء اليمن تشبثاً بالحكم، وفتحت الباب أمام مرحلة انتقالية محاطة بالقلق والتعقيدات والرهانات الثقيلة.
امتلأت قاعة البرلمان بالتصفيق، بينما بدت البلاد وكأنها تلتقط أنفاسها بعد سنة من الانقسام والاحتجاجات.
وخلف تلك اللحظة، كانت تتشكل مفارقة قاسية بهدوء: رئيس يمتلك شرعية واسعة، ودولة تتآكل ركائزها من الداخل.
إرث مثقل بالشبكات القديمة
وصل هادي إلى الرئاسة في دولة استنزفتها عقود من الحكم الفردي والتوازنات القبلية والعسكرية.
وظلت المؤسسات الرسمية قائمة شكلياً، فيما القوة الفعلية تتوزع بين مراكز نفوذ متنافسة، كمؤسسة الجيش التي انقسمت بين قادة كبار يرتبطون بولاءات عائلية وقبلية ومناطقية.
فمثلما احتفظ علي محسن الأحمر بنفوذه داخل المنطقة العسكرية الشمالية والفرقة الأولى مدرع والأمن السياسي، واصل أبناء علي صالح وأقاربه السيطرة على الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، وباقي المناطق العسكرية والأمن القومي.
في الوقت ذاته، كانت الخزينة العامة تعاني من أزمة خانقة، والخدمات الأساسية تتراجع، والأطراف البعيدة تفقد تدريجياً صلتها بالمركز.
فهذا الإرث وضع الرئيس هادي أمام معادلة معقدة منذ الأيام الأولى، حيث السلطة السياسية انتقلت معه إلى القصر الجمهوري، وبقت أدوات القوة موزعة بين شبكات ومراكز النفوذ القديمة التي لم تغادر المشهد.
شرعية واسعة وفرص مهدرة
دخل هادي الرئاسة محمولاً بتوافق داخلي وإقليمي نادر، ارسته المبادرة الخليجية التي حظيت بدعم مجلس الأمن والمجتمع الدولي. وتلقت السلطة الانتقالية دعماً مالياً وسياسياً من دول الخليج العربي والولايات المتحدة والدول الأوروبية وروسيا والصين.
وفي الداخل اليمني، قبلت القوى الرئيسية بالتسوية بدرجات متفاوتة من الحماس والتحفظ، أملاً في تجنب انزلاق البلاد إلى حرب شاملة.
وفرت تلك اللحظة، رغم زمنها المحدود، فرصة استثنائية أمام الرئيس هادي لإعادة بناء مؤسسات الدولة، لكن هذه الفرصة أهدرت.
كانت المرحلة الانتقالية تحتاج حقيقة إلى قرارات سريعة وحاسمة تعيد تعريف الجيش والإدارة ومركز السلطة. لكن مع سياسة اللعب على التوازنات، بدأت نافذة التوافق تضيق، بينما كانت القوى المسلحة تعيد ترتيب مواقعها على الأرض.
إعادة هيكلة الجيش.. قرارات فوق السطح
في إبريل 2012، أصدر هادي قرارات بإبعاد عدد من أبرز قادة المؤسسة العسكرية، التي على إثرها أُقيل علي محسن الأحمر من قيادة الفرقة الأولى مدرع، ونقل محمد صالح الأحمر من قيادة القوات الجوية، ثم جرى تفكيك بعض التشكيلات المرتبطة بعائلة علي صالح ونجله أحمد علي الذي نقل للسلك الدبلوماسي.
بدت هذه الخطوات، في ظاهرها، بداية لتحول عميق داخل الجيش، لكن في الميدان، سارت الأمور بوتيرة مختلفة. فالوحدات أعيد توزيعها إداريا، بينما ظلت شبكات الولاء القديمة حاضرة داخل البنية العسكرية.
حيث احتفظ الحرس الجمهوري بتماسكه فترة طويلة، والقيادات التي خرجت من مواقعها الرسمية واصلت تأثيرها عبر دوائر النفوذ والعلاقات الشخصية.
وتحولت الهيكلة إلى إعادة ترتيب للمواقع أكثر من تحولها إلى تأسيس جيش بقيادة وعقيدة وطنية موحدة.
مؤتمر الحوار.. السياسة أبطأ من الميدان
في مارس 2013، انطلق مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء بمشاركة مئات الممثلين عن القوى السياسية والاجتماعية.
وناقش المؤتمر القضية الجنوبية ومشكلة صعدة وشكل الدولة ومستقبل النظام السياسي.
وبعد عشرة أشهر من الاجتماعات، خرج المشاركون بوثيقة واسعة تضمنت مشروع دولة اتحادية، بالرغم من الالتفاف على عدد أقاليمها وحسمه سياسياً من قبل هادي وحزب الإصلاح، بعيداً عن قاعات الحوار، الذي كان منظماً ومفعماً بالتوافقات، بينما كانت البلاد تتحرك في اتجاه مختلف.
اعترض الحوثيون على شكل الأقاليم المقترح، ورأت قطاعات واسعة من الحراك الجنوبي السلمي في المشروع التفافاً على مطالبها. ليكون هادي بذلك، قد أهدر فرصة تاريخية بحكمة خاطئة، حيث تعامل هو وباقي قوى النفوذ مع القضية الجنوبية كأزمة أمنية وتهديد لـ “وحدة الدم”، بدلا من رؤيتها كاستحقاق سياسي تراكمت جذورها لعقود.
وبدلا من فتح حوار جاد حول الحقوق والاعتذار عن أخطاء الماضي أو حتى التفكير في خيارات توافقية، جرى دفع الجنوبيين إلى زاوية “الشراكة المهيمنة” ضمن مشروع الأقاليم الذي صيغ بعيدا عنهم.
فتلك السياسة لم تهدئ الجنوب، بل زرعت فيه قناعة راسخة أن صنعاء الجديدة لن تختلف كثيراً عن صنعاء القديمة، مما دفع شريحة واسعة منه إلى خيارات أكثر تطرفاً.
وانتقلت مخرجات الحوار إلى لجان الصياغة، في وقت كانت الجماعات المسلحة توسع نفوذها بوتيرة أسرع من حركة السياسة.
عمران اللحظة التي تغير فيها ميزان القوة
في صيف 2014، اتجه الحوثيون جنوباً بعد إحكام سيطرتهم على محافظة صعدة، ودارت المعركة الأهم في محافظة عمران، حين تعرض اللواء 310 مدرع لهجمات متواصلة انتهت بسقوط المدينة. حيث شكلت تلك المعركة نقطة تحول حاسمة في مسار الصراع.
وبقت القوات المرابطة قرب صنعاء خارج المواجهة، وتأخرت القرارات الحاسمة وسط ارتباك واضح داخل مؤسسة الرئاسة.
ومع سقوط عمران، تبدل ميزان القوة في الشمال، إذ فقد خصوم الحوثيين ثقتهم بقدرة الدولة على الحماية، بينما اكتسبت الجماعة زخماً سياسياً وعسكرياً دفعها نحو العاصمة صنعاء. فمذ تلك اللحظة، بدا الطريق إلى صنعاء أقصر بكثير مما تصور كثيرون.
ففي الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، دخل الحوثيون صنعاء بعد انهيار سريع للخصوم العسكريين داخل العاصمة، وسيطروا على معسكرات ومؤسسات أمنية وإعلامية، بتسهيل من علي صالح والقوات الموالية له، ضمن تحالف وشراكة تكتيكية معقدة جمعت بين من يريد استعادة السلطة ومن يريد تفكيك الدولة.
فيما كان علي صالح يستخدم الجماعة كورقة ضغط لاستعادة نفوذه المهدور، كانت الأخيرة تستغل خبرته الأمنية والعسكرية لاختراق مفاصل مركز القرار.
وهذا التحالف المزدوج، الذي تجاهله هادي لفترة طويلة بحسابات الاحتواء، حول علي صالح من عقبة سياسية إلى عامل تفجير، وجعل من السيطرة على صنعاء مسألة وقت فقط.
عقب سقوط العاصمة وقعت الأطراف السياسية والحوثيين اتفاق السلم والشراكة برعاية الأمم المتحدة، الذي نص على تشكيل حكومة جديدة وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، بالرغم من انه حمل في جوهره اعترافاً بواقع فرضته القوة المسلحة.
وتعاملت الرئاسة مع الحدث بمنطق الاحتواء وتأجيل الانفجار، بينما كانت موازين السيطرة تنتقل تدريجياً إلى يد الجماعة الصاعدة.
هادي وإدارة الوقت بدل صناعة التحول
حمل هادي إلى الرئاسة خبرة طويلة داخل نظام علي صالح، حيث قضى سنوات نائباً للرئيس، متقنا فن البقاء داخل شبكة معقدة من التوازنات.
وحين وصل إلى قمة السلطة، انتقل هذا الأسلوب معه إلى إدارة الدولة.
واعتمد هادي على التهدئة والتسويات المرحلية، وتعامل بحذر مع مراكز القوى المتصارعة.
وبقت دائرته الضيقة محدودة، وقراراته تحركت بإيقاع بطيء قياساً بسرعة التحولات الميدانية.
وكان ينظر إلى السلطة بوصفها مساحة لحماية التوازن القائم أكثر من كونها أداة لإعادة بناء الدولة.
هذا النمط منح الرجل قدرة على تفادي الصدام المباشر لفترة، لكنه أضعف قدرة الرئاسة على فرض اتجاه واضح في لحظة كانت البلاد تحتاج فيها إلى مركز قرار أكثر حسماً.
وهنا لا يمكن تجاهل العامل الإقليمي، الذي كان حاضراً كظل ثقيل على كل قرارات هادي.
فبينما قدمت دول الخليج الدعم المالي، كانت في الوقت ذاته ترسم خطوطاً حمراء حول هوية بعض القيادات العسكرية التي يمكن إقصاؤها أو إبقاؤها.
بذلك كان لدول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات دوراً فاعلاً في معادلة القوى، لكل منهما أجندته الخاصة تجاه من سيحكم اليمن غدا.
وحول هذا التداخل إدارة التوازنات إلى لعبة ثلاثية الأبعاد، حيث كان هادي في كثير من الأحيان مجرد منفذ لرغبات خارجية أكثر منه صانع قرار سيادي.
سقوط تراكمي
لم ينهر اليمن في يوم واحد، ولم تبدأ الأزمة لحظة دخول الحوثيين صنعاء. فالانهيار جاء تدريجياً مع كل تسوية مؤقتة أرجأت أسئلة الدولة والسلطة والسلاح.
وتراجعت مؤسسات الدولة خطوة بعد أخرى، بينما تقدمت الجماعات المسلحة داخل الفراغ المتسع، الذي تركته السلطة.
في قلب تلك المرحلة، بدت رئاسة هادي معبرة عن أزمة أعمق من حدود شخص واحد، رغم الفرص التاريخية التي أهدرها.
وبدا المشهد: شرعية واسعة بلا أدوات كافية، ودولة تتفكك أسرع من قدرة السياسة على ترميمها، ورئيس انشغل بإدارة موازين القوة في لحظة كانت تتطلب إعادة صياغتها بالكامل.
لو كان للرئيس هادي مسار آخر، لربما بدأ بتشكيل حكومة إنقاذ وطني تعكس التوازنات، وتجرد مراكز القوى المتنفذة من أسلحتها فعلياً.
كما كان باستطاعته، في الأشهر الثمانية الأولى، أن يفرض قرارت تجرد الجيش من ولاءاته القديمة عبر تعويضات مالية مقنعة وإحالات تقاعد إلزامية مدعومة دولياً. وأن يقطع الطريق أمام صالح باقتلاعه من قاعدته القبلية قبل أن يلتقي بالحوثيين.
بيد أن هادي راهن على أن الوقت يعمل لصالحه، فإذا به يكتشف متأخراً أن من لا يغير ميزان القوة، سينعكس عليه.

