آخر الأخبار

spot_img

عيدُ الأضحى في اليمن… حين يُذبح أبناؤه كقرابين مجانية على مذابح المليشيات والسياسة والارتهان؟

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

يا عيد… إن مررتَ هذا العام فوق اليمن، فامشِ بهدوء؛ فهذه البلاد متعبة حتى الإنهاك، وأهلها يحملون في صدورهم من الحزن الفائض ما يكفي لإغراق العالم كله.

ففي هذا البلد الذي كان سعيدًا، لا يأتي عيد الأضحى محمولًا على تكبيرات الفجر فقط، بل على أنين وطنٍ يمشي بعكاز الحرب الشاملة منذ عقود.

هنا، في وطني، العيد لا يطرق الأبواب بخرافٍ بيضاء وملابس جديدة، بل يدخل خلسةً إلى بيوتٍ أنهكها الخوف والجوع، وأرهقتها الهموم والديون ومنافي الضياع، وأتعبتها رواتبٌ منقطعة، وعملةٌ منهارة منذ سنوات. لقد تحولت الأضحية عند ملايين اليمنيين من شعيرة فرحٍ إلى حلمٍ بعيد، بعدما قفزت الأسعار وانكمشت القدرة الشرائية تحت وطأة الانهيار المالي والحرب وتداعياتها الطويلة.

في أحياء هذا البلد، لا تُسمع تكبيرات العيد بوصفها إعلانًا للفرح، بل كأنها بكاء جماعي يخرج من حناجر المدن المذبوحة. فصنعاء ترتجف تحت ثقل الخوف والقهر والجبايات، وتعز تنام على خاصرة الحصار وفساد الطغمة الحاكمة، وعدن يبتلعها الانفلات المريع والشامل، والحديدة تغسل وجوه أطفالها كل صباح بملح البحر بدلًا من كأس حليب، ومأرب تكدّس كُتل النازحين البؤساء كما لو أن القيامة نسيت أن تبدأ.

وحتى مآذن المساجد تبدو وكأنها تتكئ على الدعاء الأخير كي لا تسقط.

كيف تُذبح الأضاحي في وطنٍ صار أبناؤه أنفسهم قرابين مجانية على مذابح السياسة والسلالية والجهوية والارتهان؟

اليمن اليوم، يا عالم، ليس مجرد جرحٍ غائر مفتوح، بل جمهوريةٌ مختطفة، معلقة بين الهدنة والخراب، وبين المليشيات وغياب الدولة. بلادٌ كانت تُنشد في الأعياد: «أقبلَ العيد يا وطن»، فصار الوطن نفسه ينتظر من يعيده إلى الحياة، ومن يستعيده من الجن وينتزعه من الطارئين، ويعيده إلى أهله الطيبين، إلى ناسه الأصليين.

في القرى البعيدة، حيث تبدو صورة المأساة عارية، يجلس الآباء أمام أبواب بيوت الطين بوجوهٍ تشبه الخرائط المحروقة، كأنهم حرّاس مقابر، يتأملون أطفالهم وهم يلاحقون الخراف بأعينٍ منكسرة، ثم يعودون إلى البيوت بلا أضحية، بلا ألعاب، وبلا قدرة حتى على شراء قميصٍ صغير لطفلٍ يحاول أن يصدق أن العيد ما زال موجودًا.

لقد تحولت البلاد إلى ساحة ثروةٍ ضخمة لتجار الحرب ومافيا الفساد، بينما الإنسان اليمني البسيط يُسحق بين مشاريع السلالة، وأوهام المناطقية والجهويات، وشعارات السياسيين الانتهازيين، وأسواق النفط، وحدود الجغرافيا الملعونة.

فصار المواطن مجرد رقم في نشرات الإغاثة الدولية، بينما الوطن يُنهب قطعةً قطعة؛ باسم الدين مرة، وباسم الوطنية مرة، وباسم المقاومة مرة، وباسم السياسة ألف مرة.

أيها العيد!!! كيف جئتَ إلى اليمن؟ وعلى أي بابٍ طرقت؟ كل الأبواب هنا مكسورة وموصدة، وكل البيوت تفتقر لأبسط حاجات العيد، إلا من الحزن والتعب.

في بلادٍ كانت الأضحية فيها شعيرةَ رحمة، صار الناس أنفسهم أضاحي مجانية على موائد الحرب، وعلى مقصلة الجوع، والوطن كله يُعلَّق كخروفٍ على خُطاف السياسة الداخلية والإقليمية والدولية.

واليمنيون المتعبون حتى الموت يسألون أنفسهم: كم بقي لنا من الوطن الأم السعيد لكي نحتفل داخله؟

يا الله… كم يبدو اليمن بعيدًا، معزولًا عن العالم ورحمته، كأنه جزيرة منسية تائهة في آخر حواف البحر، لا تصلها سفن الإنقاذ، ولا تنام على شواطئها أغاني الفرح.

هنا، لا أحد ينتظر المعجزات. لقد نجح الانقلاب وتجار الحرب في كل شيء تقريبًا؛ في تجويع الناس، وفي تركيعهم، وفي تقسيم المدن إلى كانتونات، وفي تحويل الجمهورية إلى سوقٍ للمليشيات المدججة بالسلاح، ترقص فرحًا بالمناسبات على جماجم الناس وبؤسهم.

لكنها، فيما يبدو، فشلت في شيءٍ واحد: أن تنتزع روح الإنسان اليمني، ذلك الكائن العجيب الذي كلما سقط نهض وهو ينزف ويبتسم، وكلما ضاقت عليه الأرض فتح في قلبه بابًا لله ونافذةً للأمل بالتغيير؛ لأن اليمني، الأصل والفصل، حتى وهو يحتضر، يملك كرامة الأنبياء.

فرغم ما ذُبح، وسال فيه من دم، ما يزال يؤمن أن بعد هذا الخراب الهائل والليل الطويل سيأتي عيدٌ لا تُذبح فيه البلاد على مقصلة المرتزقة.