آخر الأخبار

spot_img

لماذا تفشل الإصلاحات في اليمن؟ ٠٠ قراءة في أزمة الدولة والخلل البنيوي للمؤسسات

صحيفة الثوري – كتابات

كتب/ نجيب عبد الرحمن السعدي

إن أخطر ما يهدد أي عملية إصلاح هو عدم التشخيص الصحيح لطبيعة المشكلة فكثير من الدول والمؤسسات تقع في خطأ قاتل عندما تتعامل مع الخلل البنيوي وكأنه مجرد قصور إداري أو خلل تنظيمي محدود فتذهب إلى تغيير بعض المسؤولين أو إصدار تعميمات ولوائح جديدة بينما تبقى البنية الحقيقية المنتجة للفشل كما هي دون معالجة ولهذا فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ أولاً بالتشخيص السليم لمستوى الخلل لأن معالجة الخلل البنيوي بأدوات إدارية بسيطة لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة.

لتشخيص حالتنا في اليمن فإننا سنناقش بطريقة عاجلة الفرق بين انواع الخلل لنصل الى تشخيص اكثر واقعية يعتمد على فهم المشكلة والتحليل المهني المحايد.

عندما تكون الأخطاء والقصور الإداري مثل ضعف الانضباط والبطء في الإنجاز وضعف الرقابة والمتابعة حالات محدودة داخل مؤسسة واحدة فإن الخلل هنا يكون مجرد قصور إداري ناتج غالباً عن ضعف الكفاءة والخبرة أو ضعف القيادة والمتابعة أو غياب المحاسبة والتقييم أو ضعف بيئة العمل والاستقرار الإداري. وفي هذه المرحلة يكون الإصلاح ممكناً من خلال تشديد المتابعة وتفعيل الرقابة والتقييم ورفع مستوى الانضباط وتحسين التأهيل والكفاءة وتفعيل أنظمة المحاسبة والحوافز.

لكن عندما تتطور هذه الحالة وتتحول إلى سلوك عام ومستمر داخل المؤسسة بحيث تصبح الإجراءات معقدة والقرارات بطيئة والأخطاء متكررة والتنسيق ضعيفاً مهما تغير الأفراد فإن المشكلة هنا لم تعد مجرد قصور إداري بل أصبحت خللا تنظيميا أي أن الخلل لم يعد في الموظف أو المسؤول فقط بل في طريقة عمل المؤسسة نفسها وفي آليات التنفيذ والتشغيل وغياب اللوائح الواضحة والتوصيف الوظيفي وأدلة الإجراءات وآليات المتابعة والتنسيق. وفي هذه المرحلة لا يكفي تغيير بعض الموظفين أو تشديد الرقابة فقط بل يصبح الإصلاح مرتبطا بإعادة تنظيم آليات العمل وتطوير اللوائح والإجراءات وتوضيح المسؤوليات والصلاحيات وبناء نظم متابعة وتقييم فعالة، وتحسين تدفق القرار والتنسيق داخل المؤسسة.

لكن إذا أصبح هذا الخلل منتشراً في عدد كبير من المؤسسات والجهات الحكومية وظهرت معه مشكلات أعمق مثل تداخل وتضارب المهام والاختصاصات وضعف العلاقة بين المركز والأطراف وتعدد الجهات التي تمارس نفس الدور وغياب جهة مسؤولة بوضوح عن بعض المهام، أو أن تكون الجهة التي تتحمل المسؤولية قانونا ليست هي الجهة التي تنفذ فعلياً فإن الأمر هنا يتحول إلى خلل هيكلي. أي أن المشكلة أصبحت في هياكل المؤسسات نفسها وفي طريقة توزيع الاختصاصات والسلطات والعلاقات بين الجهات. وغالبا يكون هذا الخلل ناتجا عن التوسع العشوائي في إنشاء المؤسسات والمعالجات المؤقتة للأزمات والمحاصصة والتوازنات السياسية وغياب التخطيط المؤسسي، وضعف فلسفة بناء الدولة، وتراكم الهياكل والجهات دون إعادة تنظيم حقيقية. وفي هذه المرحلة يصبح الإصلاح مرتبطاً بإعادة هيكلة المؤسسات، وإلغاء الازدواج والتداخل، وتحديد المهام والاختصاصات بدقة، وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، وتوحيد المرجعيات، وبناء منظومة قرار واضحة ومتماسكة.

لكن عندما يصبح الخلل أعمق من الخلل الهيكلي ويتحول إلى خلل في الأسس السياسية والاقتصادية والإدارية نفسها بحيث تصبح المنظومة بطبيعتها تنتج الفشل بشكل مستمر فمهما تم تغيير المسؤولين تبقى المشاكل قائمة ويتعثر كل جهد للإصلاح وتفشل الرؤى ويتم عرقلة أي جهة تحاول تحقيق نجاح ولو جزئي فهنا يصبح الخلل بنيويا. والخلل البنيوي يعني أن الأزمة لم تعد في ضعف إدارة أو سوء تنظيم أو خلل هيكل فقط بل أصبحت في طبيعة النظام نفسه وفي طريقة تشكل السلطة والإدارة والاقتصاد والعلاقات داخل الدولة.

وفي هذه المرحلة تتعدد مراكز السلطة وتضعف سيادة القانون وتحضر الشخصنة بدلا من المؤسسة وتنهار المساءلة وتنمو شبكات المصالح داخل الأجهزة الإدارية خصوصاً في المستويات الإدارية الوسطى ويتحول الفساد من ممارسات فردية إلى منظومة متكاملة ومترابطة ويتم توظيف المؤسسات والقرارات لخدمة النفوذ والمصالح وتضعف الإيرادات العامة بسبب الفساد وتضارب المصالح، وتزداد تبعية الدولة للتمويلات الخارجية والمساعدات. وعادة تصل الدول إلى هذا المستوى بسبب الحروب والصراعات الطويلة وغياب المشروع الوطني وضعف القيادة الواعية القادرة على بناء الدولة وطغيان شبكات النفوذ على مؤسسات الدولة واستمرار المعالجات المؤقتة بدلا من الإصلاح الحقيقي.

وفي هذه المرحلة تصبح عملية الإصلاح أكثر صعوبة لأن المنظومة الإدارية التي يُفترض أن تقود الإصلاح وهي القيادات الإدارية الوسطى تكون قد تحولت نفسها إلى جزء من منظومة المصالح . ومع الوقت تصبح هذه الشبكات مترابطة داخل مختلف المؤسسات ويصبح دورها الأساسي حماية الوضع القائم ومقاومة أي إصلاح حقيقي قد يهدد مصالحها أو نفوذها، وإضعاف أي قيادة تحاول التغيير وإفشال أي رؤية إصلاحية جادة .

ولهذا نجد أن بعض القيادات الإدارية الوسطى تقوم بتقديم قراءات مغلوطة وغير دقيقة للواقع وإظهار المشكلات بصورة مغايرة لحقيقتها وتقديم حلول شكلية أو عقيمة والتحذير من أي حلول جذرية حقيقية ووضع الصعوبات امام تنفيذها وتحويل أي مشروع إصلاحي الى فرصة لتعزيز النفوذ مصالحها الشخصية. كما أنها عند تنفيذ توجيهات أو رؤى القيادات العليا تقوم أحياناً بتنفيذها بصورة مشوهة أو معاكسة للمقصود بحيث يتم خلق مشكلات جديدة بدلاً من معالجة المشكلة الأصلية فتفشل الخطط وتتكرر الأزمات وتفقد القيادات العليا شغفها وقدرتها على التغيير الحقيقي.

ومع ذلك ورغم ما وصلت إليه مؤسسات الدولة من مستويات متقدمة من الخلل البنيوي فإن إمكانية الإصلاح تظل قائمة لكنها تحتاج إلى شروط حقيقية وصعبة في الوقت نفسه. وأهم هذه الشروط وجود قيادة سياسية صادقة تمتلك وعيا حقيقيا بطبيعة الأزمة وأهمية الإصلاح الإداري والمؤسسي وتمتلك في الوقت نفسه الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات فعلية لا شكلية. كما يتطلب الأمر أن تتم عملية الإصلاح عبر فرق متخصصة من الخبراء والاستشاريين ومصممي النظم المؤسسية يرتبط بالقيادة العليا بعيداً عن شبكات المصالح والقوى التي تشكلت خلال مراحل الانهيار السابقة وأصبحت جزءا من المشكلة نفسها.

كما أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن ينجح إذا بقي مجرد جهد إداري معزول داخل بعض المؤسسات بل يحتاج إلى بناء تحالفات سياسية واجتماعية واسعة تحمي مشروع الإصلاح وتدافع عنه، لأن أي إصلاح حقيقي سيمس بالضرورة مراكز نفوذ ومصالح قائمة ستقاومه بشدة. ولهذا فإن الإصلاح يحتاج أيضاً إلى دعم سياسي وشعبي وإعلامي وإلى حشد دعم دولي يساعد الدولة على تنفيذ التحولات المطلوبة خصوصاً في الدول الخارجة من الصراعات والأزمات الطويلة.

والأهم من ذلك أن يتم نقل الإصلاح من كونه مجرد مشروع حكومي أو إداري محدود إلى قضية مجتمع بأكمله بحيث يصبح المجتمع نفسه شريكاً في حماية الإصلاح والدفاع عنه والضغط من أجل استمراره لأن المجتمعات التي تدرك خطورة الانهيار المؤسسي وتفهم أهمية بناء الدولة تكون أكثر قدرة على حماية أي مشروع إصلاحي من الفشل أو الاختطاف أو إعادة إنتاج نفس المنظومة السابقة.

ولهذا فإن معالجة الخلل البنيوي لا يمكن أن تتم بمجرد تغيير بعض المسؤولين أو إصدار قرارات إدارية أو تنفيذ إصلاحات جزئية محدودة بل تحتاج إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها يقوم على إعادة بناء المؤسسية وترسيخ سيادة القانون وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمؤسسات وبناء جهاز إداري مهني قائم على الكفاءة لا الولاء وتفكيك شبكات المصالح والفساد تدريجيا وتمكين القيادات من أدوات التغيير الحقيقية وبناء منظومة رقابة ومساءلة فعالة ومستقلة وإيجاد ثقافة إدارية جديدة تقوم على سيادة الدولة لا خدمة النفوذ والمصالح الشخصية. لأن أي إصلاح حقيقي في ظل بقاء البنية المنتجة للفشل سيظل مجرد إصلاح شكلي وستستمر المنظومة في إعادة إنتاج نفس الأزمات مهما تغيرت القيادات أو تبدلت الخطط بل ان شبكات المصالح المنظمة داخل هياكل الدولة تعمل على إفساد القيادات الجديده او إفشالهم حال لم يتمكنوا من افسادهم وتصبح المؤسسات محرقة للكفاءات والقيادات الوطنية.