“صحيفة الثوري” – (كتابات):
اللواء علي حسن زكي
في مايو 1990م تم الإعلان عن وحدة عاطفية تم سلقها على عجل، ودون أن تتوافر لها أبسط الشروط والضمانات الدولية، فضلاً عن كونها قد ظلت مجرد إعلان ومسمى، ولم تتحقق على أرض الواقع؛ بسبب أن الطرف الشمالي قد ماطل وأفشل دمج مؤسسات الدولتين في دولة واحدة خلال المرحلة الانتقالية، وفقاً لاتفاقياتها، وهو جوهر تحقيقها.
مترافقاً ذلك مع مسلسل اغتيالات، أغلبها طالت قيادات الحزب الاشتراكي في الجنوب والشمال، وصل عددهم إلى 147 في صنعاء وفي الجنوب، فحدثت الأزمة بين الشريكين، ودخلت الوساطات الإقليمية والدولية على خط الأزمة، وصولاً إلى الأردن وتوقيع وثيقة العهد والاتفاق برعاية الملك حسين، ومن أهم ما جاء في مضامينها اعتراف الجميع بفشل الوحدة الاندماجية، وإعادة صياغتها بنظام المخاليف.
ومرة أخرى لم يتم ذلك أيضاً، حيث أعلن علي عبدالله صالح، في أبريل 94م ومن ميدان السبعين بصنعاء، الحرب على الجنوب، وفي مايو انطلقت الحرب بخطاب ديني متطرف، حيث تم تسميتها بحرب “الردة” والانفصال، وبفتوى دينية أباحت دماء وأعراض وأموال أبناء شعب الجنوب، وأن الجنوب دار كفر، ويأوي الاشتراكيين. وبالانقلاب على مشروع الوحدة وعلى الشريك بالحرب والفتوى والاحتلال، وتدمير دولته بكل مقوماتها، وتشريده من وطنه، ونهب الجمل بما حمل، قتلت الحرب وحدة الشراكة وتم دفنها بليل، واستبدلتها بوحدة القوة أو الموت والضم والإلحاق.
وزاد في ذلك محاولة تكريس واقع الحرب والاحتلال بحرب عام 2015م الحوثية – العفاشية، في فترة زواجهما الكاثوليكي الذي لم يدم طويلاً، حيث فرض الحوثي سلطته على الجغرافيا الشمالية، وهو ومعه ذوو الأطماع يتحفزون اليوم للتوجه جنوباً، وبالتالي عن أي وحدة لا يزالون يتحدثون؟! ومع من؟!.
ويا للمقاربات العجيبة والغريبة، فحرب 94م انطلقت تحت غطاء محاربة الشيوعية، وحرب 15م تحت غطاء محاربة القاعدة والدواعش، وهم من خرجوا من رحم التطرف، وترعرعوا في أحضان الإرهاب، ويتخادمون معهم في الاغتيالات والأعمال الإرهابية التي تشهدها منطقة شرق أبين والعاصمة عدن.
إن شعب الجنوب، وفي كل محافظاته، وهو يستقبل الذكرى الثانية والثلاثين لإعلان الرئيس علي سالم البيض، في مايو 94م، عن فك الارتباط واستعادة دولة الجنوب التي دخل بها الوحدة بعد أن فشلت، وبعد أن تم الانقلاب على اتفاقياتها وكل مرجعياتها الوطنية والإقليمية والدولية، بما فيها وثيقة العهد والاتفاق، وقرارا مجلس الأمن 924 و931، اللذان حملا في مضامينهما موقف المجتمع الدولي: “لا وحدة بالقوة ولا انفصال بالقوة”، وإبقاء القضية قيد النظر، وكذلك بيان اجتماع مجلس التعاون الخليجي الذي انعقد في مدينة أبها بالسعودية، ذات الصلة.
ويستقبل أبناء شعب الجنوب تلك الذكرى، لا بمراسيم احتفالية، ولكن بتأكيد مواصلة النضال السلمي بكل أشكاله وأساليبه حتى استعادة دولتهم كاملة الحرية والسيادة والاستقلال، على حدود مايو 1990م.
ولئن كانت الظروف والمتغيرات الدولية والإقليمية التي تشهدها المنطقة لا تساعد على ذلك في الوقت الراهن، فمن خلال كونفدرالية مزمنة بحكومتين، كمرحلة انتقالية، يعقبها حق شعب الجنوب في تقرير مصيره، وبضمانات إقليمية ودولية.
إذ هو المخرج الأقرب، وبقدر ما سيمكّن شعب الجنوب من إدارة شؤونه، وأبناء محافظاته من إدارة شؤون محافظاتهم خلال المرحلة الانتقالية، بقدر ما يحمله من ضمانات للأمن والاستقرار الدوليين في المنطقة، ومحاربة الإرهاب والتطرف، وحماية ممرات الملاحة التجارية والطاقة الدولية في بحر العرب وخليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر من القرصنة البحرية التي ازدادت مؤخراً، وفي ظل تراخٍ في التأمين البحري قياساً بما كان سابقاً، بالنظر لكل ما يحدث.
وخلاصة القول، إن في المخرج الانتقالي، الكونفدرالية المزمنة برأينا، مصلحة للجنوب ولدول المنطقة، وللأمن والاستقرار الدوليين.

