آخر الأخبار

spot_img

الوحدة اليمنية حين اغتيل مشروع الحزب الاشتراكي اليمني داخل شوارع العاصمة صنعاء

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

لم تكن الوحدة قراراً سياسياً فحسب، بل كانت نبوءة شعبٍ تعب من نصف القلب، ونصف الحب، ونصف الجغرافيا، ومن نصف الوجع، ومن نصف المشروع، ومن وطنٍ يمشي بعكازين، ومن واقعٍ كلما حاول أن ينهض ليتقدم، أعادته بنادق العسكر، وطهبيش القبيلة، وعمامات المشائخ إلى الكهف.

كانت الوحدة حلماً يشبه صلاة الأنبياء؛ نقياً، صادقاً، مبللاً بدموع الفقراء، وهدفاً نبيلاً محمولاً على أكتاف البسطاء الذين ظنوا أن الوطن أخيراً سيخرج من عباءة المشيخة، ومن سبايا الجغرافيا، والقبضة الأمنية، وسلطات القمع، إلى رحاب دولة المؤسسات والنظام وحقوق الإنسان.

لكنهم لم يكونوا يعلمون أن الوحوش لا تغني، وأن الطغاة لا يحبون.

كان اليمنيون يظنون أن مع وجود الوحدة فإن الجمهورية ستكبر، والأرض ستتسع للجميع، وأن الإنسان اليمني سيصبح أغلى من أي سلطة أو ثروة، وأن عدن وصنعاء ستلتقيان كبحرين يذوب أحدهما في الآخر.

لكن المهوسين بالسلطة لم يروا وطناً، بل عصابة كانت ترى الوطن إقطاعية، والشعب مجموعات قطيع، فتحولت الوحدة سريعاً إلى مَقصلة نُصبت للاشتراكيين ومشروعهم التقدمي، وهكذا ظهرت الخيانة الكبرى بأبشع صورها داخل شوارع العاصمة صنعاء.

فلم تكن حرب صيف 1994 مجرد حرب بين طرفين سياسيين، بل كانت لحظة افتراس تاريخية ضخمة، حين قررت العصابة أن تقتل الشراكة، وأن تعلن أن الوحدة ليست عقداً بين أحرار، بل بيعة إجبارية فوق فوهة المدافع، وتحت بيادات جيش العائلة، وبغطاء عمائم مشائخ الإسلام السياسي.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الوطن اليمني يمشي وفقاً للصيرورة، بل أُصيب كله بالشلل شبه التام، حين انتصرت، بالوهم، عصابة 7/7/1994، وهُزم المعنى.

فعلاً، إنها الوحدة المغدور بها التي دخلت شباك بيت القبيلة. كنا نعول على الوحدة أن تضع المداميك الأولى للدولة المدنية الحديثة، لكنها للأسف دخلت بلداً لم يكن قد تصالح مع فكرة الدولة أصلاً.

دخلت إلى أرضٍ ما تزال القبيلة فيها أقوى من المحكمة، والولاءات العصبوية أعمق من الدستور، والغنيمة أهم من الوطن. ولهذا، ما إن اشتد الصراع على التهام السلطة بعد 1994، حتى تحولت الوحدة نفسها من حلمٍ شعبي كبير إلى معركة نفوذ بين مراكز قوى الشمال.

فاليوم، لم تعد البلاد تشبه دولة الوحدة الحقيقية، بل ساحةً ضخمةً تتصارع فوقها المشاريع الصغيرة.

كل طرفٍ يملك جيشاً، وكل جماعةٍ تمتلك خطاباً مقدساً ورأياً، وكل قائد مليشيا يتحدث باسم الوطن، بينما يقتطع منه قطعةً جديدة.

فسقطت دولة الوحدة يوم ظنت العصابة أن النصر العسكري يكفي لصناعة الشرعية.

وسقطت الوحدة اليمنية عندما تحولت من حبٍ متبادل إلى خوفٍ متبادل.

لقد ربحت العصابة السلطة، والأرض، والثروة، لكنهم خسروا الإنسان.

ومنذ ذلك الحين إلى اليوم، بدأ الجنوب يحمل جرحه النازف معه، مطعوناً بعمق من داخله الوجداني، يبحث عن ذاته في مرايا القهر والخذلان، بينما كانت صنعاء تغرق أكثر فأكثر في وحل قيد القبيلة، وشَرَك الفساد، وتحالف الدم والثروة.

وبقيت اليمن، حتى اليوم، فوهة بركان، وخيمة حرب متنقلة بين الشمال والجنوب.

لم تولد الدولة المدنية التي حلم بها الناس بعد، بل تمددت إمبراطورية المشائخ والعسكر وشبكة الفاسدين.

حتى صار الوطن سوقاً ضخمةً لتوزيع الولاءات، وصارت الجمهورية والوحدة، اليوم، جثثاً اختطفتها وتتقاسمها الذئاب، وكل شيء كان، ولا يزال، يُباع: النفط، والغاز، والبحر، واليابسة معاً، حتى الإنسان اليمني نفسه يُباع ويبيع.

وكلما قلنا: “نشتي دولة أكبر من القبيلة”، أشعلوا لنا حرباً جديدة.

ولهذا، لم تكن مأساة اليمن في الانفصال، أو الوحدة، أو حتى في الفيدرالية الموعودة، بل في غياب وعي وضمير الإنسان اليمني نفسه.