“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد علي قحطان
ينص قانون الجامعات رقم (17) لسنة 1995م وتعديلاته على أن يعقد المجلس الأعلى للجامعات اجتماعات دورية بانتظام، بواقع ثلاثة اجتماعات دورية على الأقل في السنة، وحدد مواعيد الاجتماعات الدورية في الأسبوع الأول من أشهر السنة (أبريل، يوليو، وأكتوبر)، كما يجيز عقد اجتماعات استثنائية كلما دعت الحاجة، بناءً على طلب مسبب من رئيس المجلس، الذي هو –حسب القانون– رئيس مجلس الوزراء، أو من ثلاثة أعضاء من أعضاء المجلس، والذين هم رؤساء الجامعات. ويكون الاجتماع صحيحاً بحضور أغلبية أعضاء المجلس.
وقد بيّن القانون بأن مهام هذه الاجتماعات حُددت لمناقشة خطط القبول والتسجيل، وإقرار خطط تطوير البرامج الأكاديمية، ومعالجة أوضاع هيئة التدريس في الجامعات اليمنية.
وكما يبدو من واقع الحال منذ بداية الحرب القائمة في العام 2015م وحتى وقتنا الحاضر، فإن مجلس الجامعات قد انقسم بين حكومتي صنعاء وعدن؛ إذ إن هناك حكومة في عدن وأخرى في صنعاء، وعدداً من الجامعات تتبع حكومة صنعاء، وعدداً آخر يتبع حكومة عدن.
وبناءً عليه، فقد غاب مجلس الجامعات بشقيه طيلة السنوات الماضية، حتى عام 2024م، وبالتالي فقد أُهمل موضوع الجامعات من اهتمام الحكومة اليمنية، سواء التي في صنعاء أو التي في عدن، بالرغم من وجود وزيرين للتعليم العالي والبحث العلمي؛ أحدهما في حكومة صنعاء، والآخر في حكومة عدن. وكانت كل جامعة تسير نشاطها الأكاديمي والعلمي حسب ما يشتهي رؤساء الجامعات، وفي كلا الحالتين؛ حالة صنعاء وحالة عدن، مع وضوح أن الجامعات فقدت استقلاليتها، وأصبحت تخضع لسلطات أمر واقع متعددة، الأمر الذي أفقد الجامعات أهميتها العلمية والأكاديمية، وتدهورت أوضاعها بصورة حادة.
فالجامعات التي تتبع حكومة صنعاء تُعد الأكثر تدهوراً، بحكم انقطاع رواتب منتسبي هذه الجامعات طيلة سنوات الحرب الماضية، الأمر الذي أدى إلى هجرة معظم أعضاء هيئة التدريس ذوي الخبرات العالية، وتدهور حاد في وظائف الجامعات: (التعليم، البحث العلمي، وخدمة المجتمع). ومنذ العام الماضي أُعيد لأعضاء هيئة التدريس الصامدين بالبقاء في الجامعات نصف رواتبهم الشهرية، وقد تآكلت قيمتها الشرائية بفعل التضخم. كما أنه تعطل العمل بالقانون من ناحية التعيينات لشغل وظائف هيكل الجامعة؛ إذ تم استبدال شاغلي الوظائف العليا في الجامعات بآخرين خارج إطار القانون. فلم يُعمل بنصوص القانون فيما يتعلق بشغل الوظائف، وأدى ذلك إلى صعود عناصر قيادية تفتقد للخبرات الكافية، كما عُطلت أعمال مجالس الجامعات، وشُلت فعاليتها بفعل التدخلات السياسية وعدم احترام استقلاليتها، حسب ما ينص عليه القانون، بالإضافة إلى تدنٍ حاد في وظائف العملية الإدارية، نظراً لغياب الكفاءات الإدارية. كما أن المجلس الأعلى للجامعات غُيّب تماماً عن ممارسة مهامه إلى أن فُعل في عام 2024م، إلا أن هذا التفعيل يبدو شكلياً ولا أثر له في الواقع، إذ لم تستند أعماله إلى قانون الجامعات ولوائحه التنظيمية والإدارية.
بينما الجامعات التي تتبع حكومة عدن ظلت جامدة، مع غياب الحكومة في الخارج، أو في حالة انفلات إن أُلزمت أحياناً بالعودة المؤقتة إلى الداخل. إذ عادةً يتم تعيين وزراء الحكومة من المهاجرين أو النازحين في الخارج، من ذوي النفوذ العسكري أو القبلي أو المناطقي أو الحزبي، ومن بينهم وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الأمر الذي أدى إلى إصابة الجامعات في مناطق سيطرة الشرعية بالجمود والتحكم المطلق بها من قبل قيادات هذه الجامعات، وانتشر فيها الفساد بصورة حادة.
كما أن أعضاء هيئة التدريس؛ منهم من هاجر إلى الخارج دون عودة، ومنهم من شتت جهوده في فرص التدريس في الجامعات الخاصة بأجور زهيدة جداً، كما أن الجامعات الخاصة فتحت للبعض منهم مجالاً لشغل الوظائف القيادية بطرق غير مشروعة، وبدون أي تنسيق مع جامعاتهم الحكومية، وهؤلاء انصرف ولاؤهم للجامعات الخاصة التي يعملون بها، وقل أداؤهم بصورة حادة في الجامعات الحكومية التي ينتسبون إليها. وهناك نزوح لعدد منهم إلى محافظات أخرى، وانفلات دون محاسبة.
ومع هذا الوضع، يتم توظيف عدم استقرار أعضاء هيئة التدريس بجامعاتهم الحكومية في سلب أجزاء من رواتبهم أو أخذها بالكامل. كما أن الجامعات استمرت بفتح أبوابها للتعليم الخاص بتسميات مختلفة: (الموازي، والنفقة الخاصة، وغيرها)، وبصورة مكثفة، الأمر الذي بدا معه التعليم العام وكأنه استثنائي، بينما الأصل هو التعليم الموازي والتعليم على النفقة الخاصة، وبرسوم بالدولار الأمريكي.
وحسب ما يشاع في الأوساط الأكاديمية والإدارية في الجامعات، فإن هناك هدراً كبيراً لعوائد التعليم الموازي والتعليم على النفقة الخاصة، وهناك دخل أيضاً من رسوم التعليم العام، ومن كافة الخدمات التعليمية والإدارية التي تقدمها الجامعات للطلبة، فلم يعد هناك تعليم مجاني، حسب نص الدستور والقوانين اليمنية النافذة. فالفرق بين التعليم العام (على نفقة الدولة) والتعليم الخاص، بالتسميات التي أشرنا إليها، هو في الأسعار فقط؛ فالتعليم العام بأسعار أقل، والتعليم الخاص بأسعار مرتفعة تنافس أسعار الجامعات الخاصة، التي هي أشبه بالمولات.
كما أن رواتب من تبقى من أعضاء هيئة التدريس تآكلت قيمتها بفعل التضخم المرتفع، ولا تُصرف بصورة منتظمة، الأمر الذي أدى إلى معاناة شديدة القسوة لمن تبقى من الكادر الأكاديمي في الجامعات.
ومع سوء الأوضاع بالصورة التي أشرنا إليها، كنا نتوقع أن عودة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى الداخل، وبدعم سعودي، ستبدأ بتفعيل القوانين والتشريعات النافذة لتصويب ما أُفسد خلال سنوات الحرب، استناداً إلى القوانين والأنظمة واللوائح التي كان معمولاً بها قبل الحرب، إذ لا تزال سارية المفعول ولم يتم استبدالها. إلا أننا، للأسف، نفاجأ بأن انعقاد أول اجتماع لمجلس الجامعات التابع للشرعية في عدن بتاريخ 11 مايو 2026م لم يعر أي اهتمام لتفعيل قانون الجامعات ولائحته التنفيذية، باعتبار أن تفعيل القانون هو الخطوة الأولى التي سوف يرتكز عليها إصلاح وضع الجامعات وتحديثها وتطويرها، ومواجهة مختلف الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية. وكان من المهم للغاية ألّا يُستأنف عمل مجلس الجامعات قبل تفعيل العمل بالقانون، ليكون أعضاء المجلس قد صُححت أوضاعهم القانونية كممثلين للجامعات.
وبناءً على ما سبق، نستطيع القول إن ما تعانيه الجامعات اليمنية من الاختلالات، والتي أشرنا إلى بعض منها، سيبقى على ما هو عليه إذا لم يُفعّل العمل بالقانون؛ إذ إن تفعيل العمل بالقانون يعني إحداث تغييرات واسعة في البنية التنظيمية والإدارية للجامعات، بحيث تُصوَّب اختلالات التعيين للوظائف القيادية، الأمر الذي سيترتب عليه تشكيل مجالس الأقسام والكليات ومجالس الجامعات، وكذا المجالس الأكاديمية، ومجالس البحث العلمي، ومجالس شؤون الطلبة، وكذا المجلس الأعلى للجامعات، بصورة قانونية صحيحة مجسدة لقانون الجامعات ولائحته التنفيذية.
إذ إن قيادات الجامعات وتشكيل المجالس المشار إليها لم تعد قانونية، ولا تمارس عملها طبقاً للقانون. وإصلاح هذا الوضع يعني إعادة تأهيل الجامعات للقيام بوظائفها المحددة بالقانون، وبالتالي يمكن لمجلس الجامعات تفعيل أدائه بالصورة الواقعية المناسبة، التي من شأنها إعادة الاعتبار للجامعات، وتحسين ظروف أعضاء هيئة التدريس فيها، وتطوير العمل الأكاديمي والبحث العلمي، وكذا رفع كفاءة البرامج التعليمية والبحث العلمي والخدمات الطلابية، وتنفيذ أي قضية من القضايا التي أُثيرت في اجتماع مجلس الجامعات المشار إليه.

