“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
لقد تجاوزت الحرب وتداعياتها المأساوية في اليمن كل تعريفات السياسة، وانفلتت من عقل الدولة ومن منطق حروب التاريخ، حتى تحوّلت إلى طاحونة هائلة، إلى ماكينة يومية عمياء تسحق الإنسان والحياة والكرامة معاً.
لقد تجاوزت المعركة اليمنية فكرة الانقلاب أو الشرعية أو التوازنات الإقليمية، لتصبح حالة استنزاف كبرى لوطن كامل يُسحق دفعة واحدة تحت بيادات المليشيات ومافيا الفساد وسماسرة خرائط الرعب وتقسيم الجغرافيا. فالحرب وتداعياتها ضربت البنية العميقة للوعي الاجتماعي، ومزّقت الثقة بين الناس، وتأكلت معها ثقة الناس بالأحزاب السياسية والعمل السياسي برمته، وبالتالي أعادت تكاثر تلك العصبيات الشاذة والمقيتة بصور مختلفة. إن حالة الهيموفيليا المزمنة في اليمن يشترك فيها أمراء حرب المليشيات، ومافيا الفساد المحلي، والصمت الإقليمي والدولي، والنخب التي باعت ضمائرها مقابل فتات النفوذ.
فما يحدث اليوم ليس حرباً بالمعنى السياسي، بل انهيار شامل لفكرة الدولة، وانطفاء بطيء لروح المجتمع، وتحويل اليمن إلى حقل مفتوح للتجويع والخوف والقتل والتشظي والابتزاز.
إنها ميتافيزيقا الخراب، وجه آخر للعدمية، ولعبة المرايا بين الأرض والسماء.
لم تعد المسألة هنا في اليمن صراعاً على سلطة، أو سباق نفوذ، أو حتى جنون أيديولوجيا وتطرف طائفي ومناطقي، بل صارت صراعاً على بقايا الحياة نفسها، وعلى بقايا ماء الكرامة في جباه الناس.
صار اليمني محاصراً بحاجاته اليومية، يستيقظ كل صباح لا ليسأل: من يحكم؟ بل ليسأل:
هل ما تزال الكهرباء تضيء؟
هل بقي ماء في الحنفية؟
هل ما تزال أسطوانة الغاز مشتعلة؟
هل عاد الأب من العمل دون أن يُغتال أو يُعتقل؟
هل تناول الأطفال وجبتهم الرئيسية ونجوا من مكائن الجوع والموت؟
بمعنى آخر، هل بقي لهذا الوطن معنى غير هذا الخراب الهائل المفتوح بلا نهاية؟
حقاً، لقد تحوّلت البلاد إلى مقصلة جماعية تُدار باسم الوطن والدين والتحرر والسيادة، بينما الضحية الوحيدة الحقيقية هي الإنسان اليمني.
الإنسان الذي لم يعد يملك ترف الحلم، ولا حتى حق الحزن والبكاء الكامل. فعلاً، لقد استُهلك الإنسان اليمني حتى العظم… استُهلكت قراه، ومدنه، وطبقته الوسطى، وذاكرته الوطنية، وأعصاب ناسه، وأحلام شبابه، والروح أصابها التعب، واللغة نفسها أصابها التصحر، وأصبنا نحن بالجفاف الفكري الذي يقودنا للخروج من المأزق.
أي لعنة هذه التي تجعل وطناً كاملاً يعيش سنوات عجاف طويلة داخل سرداب الضياع، دون أن يرى آخره؟
والأخطر من الحرب وتداعياتها أن الناس بدأوا يعتادون الكارثة ويتكيفون معها، وهذه هي المأساة الكبرى؛ حين تصبح الاغتيالات خبراً عادياً، والخوف والاعتقالات تفاصيل يوم، والنزوح والبطالة مجرد رقم في التقارير الرسمية. فاعلم عندها أن المجتمع لا يُهزم عسكرياً فقط، بل يُستنزف روحياً وأخلاقياً حتى الانطفاء. وإن أخطر ما قد يخسره اليمن أيضاً ليس دمار البنى التحتية ولا الثروات، بل أن يفقد أبناؤه إيمانهم بإمكانية الخلاص.
فاليمن يحتاج إلى وعي وشجاعة وإرادة تقوده إلى فعل التغيير الجذري ضد كل ذلك القبح، كما يحتاج إلى ثورة أخلاقية كبرى تُنقذ ما تبقى له من قيم وكرامة قبل أي تسوية سياسية عرجاء. فما يزال في اليمن شيء يقاوم الفناء، فلا يليق بتاريخه أن يتحوّل إلى ساحة تصفية دائمة للمشاريع المغامرة العصبوية والجهوية المستبدة، ويصبح الوطن مجرد مساحة للنجاة الفردية لا للحياة المشتركة.
حقاً، اليمن تحتاج إلى ثورة نبيلة تُعيد للإنسان قيمته المُهدرة، وللوطنية معناها القوي، وللسياسة شرفها المفقود. فما قيمة سلطات طارئة تُبنى فوق جماجم الناس وتدوس على كرامتهم؟
فالحقيقة أن اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من السفسطائيين والانتهازيين، ولا إلى مزيد من الحمقى، ولا إلى فائض من أمراء الحرب الذين يعتاشون على الخراب، بل إن اليمن يحتاج إلى حضور ضمير الإنسانية هناك.
فالعالم كله شريك في حالة الهيموفيليا التي تعاني منها اليمن، فإما أن تنتصر قيم الإنسان فيه، أو تسقط الإنسانية برمتها في هذه المقصلة المفتوحة.

