“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
لم تعد الأسئلة الكبرى في الخليج تُقاس بميزان الخسائر الآنية في كثير من المحطات، ولا تُختزل في أرقام الأسواق وتقلبات المؤشرات العالمية، بل باتت تدور حالياً حول سؤال أعمق وأكثر مصيرية: كيف نتحرر من منطق “الممر الواحد” وعقدة “الاتجاه الواحد” التي حكمت الجغرافيا والسياسة والأمن والاقتصاد لعقود؟ وكيف نعيد التموضع في عالم يتشكل من جديد، لا يعترف إلا بالمرونة والتعدد والقدرة على المناورة؟
أي إن الخليج يحتاج إلى انتقال أعمق من عقلية المحاسبة والحسابات وردات الفعل إلى عقلية إعادة البناء والمبادرة؛ من التفكير في النتائج إلى التفكير في البنية الداخلية الجيوسياسية التي أنتجتها.
إن الخروج من أسر الممر الواحد ليس مشروعاً اقتصادياً فقط، بل إعادة صياغة شاملة للهوية الاستراتيجية. إنه انتقال من التبعية لمسار واحد إلى القدرة على المناورة بين مسارات متعددة.
لأن من يختار ممراً واحداً، فكأنه اختار لنفسه قفصاً من ذهب فاحتبس فيه.
كما أن إعادة التموضع الناجحة لن تُقاس بكمية المشاريع التي أُنشئت، والتي لا تزال قيد الإنشاء، بل بقدرة الخليج على أن يصبح فاعلاً لا ممراً، ومحدداً للقواعد لا مجرد مستجيب لها؛ أن يغدو “المايسترو”.
في عالم يتجه نحو التعددية والتعقيد، لن يكون البقاء للأقوى، بل للأكثر قدرة على إعادة تعريف موقعه وتوظيفه باستمرار.
إن التوجه نحو نموذج “العقدة” لا “الممر” هو التحول الحقيقي الذي يكمن في الانتقال من الكوريدور الواحد إلى العقدة، أي إلى المركز.
فالممر يمرّ عبرك، لكن العقدة يُعاد تشكيل العالم حولها، وهذا يعني ألّا يكون الخليج مجرد طريق، بل مركزاً لإعادة توزيع السلع والطاقة والبيانات ورأس المال.
أقصد أن أسر الممر الواحد، كقيد بنيوي، ليس مجرد اعتماد على النفط، بل منظومة كاملة من التمركز حول مسار وحيد: إنتاجاً، وتصديراً، وأمناً.
سابقاً، شكّل النفط المار عبر نقاط اختناق استراتيجية، مثل مضيق هرمز، عمود الفقرات الاقتصادية والسياسية لعقود. هذا النموذج خلق مفارقة: قوة مالية هائلة، لكنها مرتبطة بهشاشة جيوسياسية. فكل تهديد للممر هو تهديد للنظام بأكمله، وكل تقلب في الأسعار يعيد تعريف الاستقرار الاقتصادي الداخلي والخارجي أيضاً.
كما أن إعادة التموضع ليست انسحاباً من الاقتصاد النفطي، بل إعادة تعريف لدوره ضمن شبكة عالم أوسع. إنه انتقال من “التمركز حول مورد” إلى التمركز داخل شبكة كثيفة من خيوط المصالح.
هذا ما بدأت تدركه دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حيث لم يعد الهدف تعظيم العوائد فقط، بل تعظيم الموقع وتوظيفه وتحديد مسارات التوجه وإعادة هندسة خارطة التحالفات، أي “إعادة التموضع وفقاً للواقع”.
فإعادة التموضع تعني تقليل الاعتماد على الحماية الخارجية، وتنويع الشراكات الدولية، وإدارة التنافس بدلاً من الانخراط في صراعات عبثية صفرية.
أيضاً، إن الخليج العصري الذكي، واللجوء إلى الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في التكنولوجيا واللوجستيات والسياحة والخدمات المالية، هو أيضاً محاولة جادة من الخليج لبناء “ممرات غير مادية” تضمن الاستمرارية والصمود خارج تقلبات الموارد والظروف السياسية.
إن الخروج من أسر الممر الواحد يتطلب تحويل الجغرافيا من قيد إلى أداة. بمعنى أن الخليج لا يمكنه تغيير موقعه، لكنه يستطيع إعادة توظيفه ببناء ممرات اقتصادية متقاطعة بحرية وبرية وسككية، تربطه مع بعضه، ومع اليمن الجديد على وجه الخصوص، ومع آسيا وأوروبا وأفريقيا. هنا فقط يستطيع أن يُقلل من مخاطر الاختناق وعمليات الابتزاز والإذلال المستمر.
إن الضربة التي لا تكسر الظهر تقوّيه. فالخليج اليوم يتحرر من “أسر” الطريق الواحد، ومن “وهم” الاتجاه الواحد، ليصير سائراً بحرية في فضاء لا تحدّه جهة ولا يقيده ممر.
فالتحرر هنا ليس في هدم الممر، بل في كسر وهم أنه الوحيد.
التحرر أن تصير الأرض في الجزيرة العربية جسراً لا عنق زجاجة، وأن يصير البحر فضاءً لا ممراً ضيقاً.
فالكون لم يعد يمشي على خط مستقيم واحد، بل صار رقصة دائرية تتقاطع فيها، بسرعة الخطوات، قوى تنهض من الشرق، وأخرى تنكفئ في الغرب، وممرات تُفتح كما تُغلق، كأن العالم يقول: من لا يملك إلا باباً واحداً، سيبقى واقفاً خلفه طويلاً.
لذلك، فإن الاستقرار، وتعريفه في دولاب السياسة الخليجية، لم يعد خياراً أخلاقياً فقط، بل ضرورة استراتيجية.
لأن الخليج لم يكن مجرد أرض تُنضج النفط وتسكبه في صهاريج بحار العالم، بل كان وسيبقى روحاً معلّقة بين الماء والملح، بين الريح والرمل.
فالروح التي تسكن طريقاً واحداً تيبس، والجغرافيا التي لا تتعدد مسالكها تختنق.

