“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
حين تهبط خيوط الليل، يا حبيبتي، كل خميس، لا أنتظركِ… بل أتهيّأ لأن أُعاد خَلقي من جديد.
أدخل في الشوق إليكِ كما يدخل المتصوّف الطاهر في الذِّكر، لا رغبةً في الكلام، بل طلبًا للتعرّي الروحي والانكشاف الوجداني.
فحين تحضرين، يا حبيبتي، يتحوّل الصمت إلى معنى، وتصير الكلمات مجرّد أثرٍ لمرورك في زوايا الروح.
لكِ نسيجٌ مخملي لا يُلمس ولا يُرى، لكن أُرمِّم به شرخ الفكرة، وتُجمع به شظايا القلب، فتنتظم الفوضى بداخلي دون أن تُمسّ، ويهدأ منسوب الاضطراب، كأنّه كان ينتظركِ منذ زمان.
لا حديث بيننا الآن… بل تلاقٍ، تلامسٌ بين ما تاه فيَّ وما استقرّ فيكِ.
فأرى الأشياء على حقيقتها، خفيفةً، شفافة، واضحةً، قابلةً للفهم بلا شرح، وقابلةً للحب بلا سبب.
أنتِ لستِ حضورًا، أنتِ ميزانُ قواي؛ فإن اقتربتِ… انتصرتُ، وإن ابتعدتِ… انكسرتُ كدولةٍ فقدتْ عاصمتها.
أنتِ لستِ عابرةً في أسبوعي كل خميس، أنتِ قلبُ اليوم نفسه، وأنا بين يديكِ كقارّةٍ تبحث عن شكلها في خريطة قلبك.
أنتِ لستِ بداية، بل بابُ البدايات والنهايات كلّها.
حين تميلين، تميل الحياة إلى الضوء، بل ويستقيم ما كان أعوج دون أن يُقوَّم.
أيّ سرٍّ أنتِ، يا حبيبتي؟
حتى الليل، ذلك الناسك العتيق، يفسح لكِ مكانًا في عتمته، وتزاحمين جماله بجمالٍ لا يشبهه ولا يُنافسه، بل يُكمله.
وحين تعزفين من داخلك، لا تهتزّ المشاعر معك، بل تُبعث من جديد، وتغدو الروح وترًا يعرف أخيرًا لِمَ خُلق الصوت.
فنامي، يا حبيبتي، في صدري، كما تنام الأشياء المبعثرة في صدر الليل.
فأنا لم أنم، فبداخلي يسمر الوجد والوجود.

