آخر الأخبار

spot_img

تجربة الجمعيات النسوية في التنمية الريفية في اليمن

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ محمد علي قحطان *

يومنا هذا الخميس، الموافق 23 أبريل 2026، نُقلت إليّ معلومات استقصائية من الصحفي هائل الفقية عن تجربة نوعية فريدة لجمعيتين نسويتين أُنشئتا في محافظة تعز بهدف المساهمة في إعداد تقرير صحفي. ولأهمية الموضوع، نورد ملخصًا لهذه التجربة وتعليقنا عليها، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: التعريف بالتجربة:

في عزلة العزاعز، مديرية الشمايتين، محافظة تعز، أُعدّت مبادرة سُمّيت «حقين الحجرية». وكما هو معروف، فإن «الحقين» عبارة عن لبن منزوع الدسم.

أعدّت المبادرة جمعيتان: إحداهما تُطلق عليها (الجمعية النسوية التنموية)، والأخرى (جمعية الريف).

مضمون المبادرة ونتائجها:
إنشاء مشروع تشارك فيه أكبر عدد ممكن من النساء الريفيات، وعلى النحو الآتي:
تنظيم شبكة من النساء ينتشرن في 26 منطقة، بحيث تُعدّ كل منهن منسقة ميدانية تتولى جمع الحليب يوميًا من أسر المنطقة، وتقوم بفحصه وتحديد كميته، ثم نقله باستخدام الدراجات النارية إلى منطقة المركز. وفي المركز يتم معالجة الحليب وتحويله إلى ثلاثة منتجات غذائية هي: الحقين، الزبدة، والسمن، وفقًا لمعايير الجودة التي أُعدّت لعاملات المركز. ثم يتم إعداد المنتجات الثلاثة بصورة تسمح بتسويقها في عدد من أسواق المحافظة، وتحديدًا: مدينة التربة، المركز، النشمة، وبعض أحياء مدينة تعز.

هذا المشروع أدى إلى تحقيق العوائد التالية:
توفير فرص عمل لعدد من النساء المشتغلات في الشبكة المنظمة لعمليات جمع الحليب وتوثيقه وإرساله إلى المركز المحدد.
توفير فرص عمل لأصحاب الدراجات النارية العاملين في عملية النقل.
مساعدة الأسر المنتجة للحقين على تسويق الحليب بدلًا من عناء إنتاج الحقين وتسويقه بصورة فردية وبأسعار هابطة لا تفي بتكاليف الإنتاج والتسويق في أسواق المناطق المجاورة.
تعزيز دور المرأة في النشاط الاقتصادي.
رفع مستوى الوعي بأهمية العمل الجماعي لما يحققه من تنظيم لعمليات الإنتاج والتسويق، وبما يخفض التكاليف ويزيد من العوائد المالية للأسر المنتجة، ويوفر فرص عمل للعاملات في الشبكة.
تشجيع الأسر المنتجة على مضاعفة نشاطها في تربية الحيوانات وإنتاج الحليب.

كل ذلك يقدم نموذجًا مهمًا للغاية يؤكد إمكانية النهوض بالتنمية الريفية وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة، وبالأخص إذا تدخلت السلطات المحلية في المحافظة والمديريات وعملت على تعميم التجربة ومواجهة الصعوبات التي تشكو منها الجمعيتان صاحبتا المبادرة، وهي:
صعوبة التنقل في التضاريس الجبلية عبر طرق ترابية وعرة.
غياب وسائل النقل المناسبة المزودة بثلاجات التبريد في الأجواء الحارة، والتي قد تتسبب في إتلاف الحليب أثناء عمليات النقل في حال حدوث أي تأخير في نقل الحليب الطازج، الأمر الذي يهدد استمرار المشروع.

ثانيًا: تعليقنا على ذلك:

حسب ما عُرض بخصوص التجربة، يمكن القول إن هذه التجربة حققت نجاحًا كبيرًا، وهذا النجاح يشكل أهمية بالغة لتعميمها على مستوى كافة المحافظات والمديريات اليمنية، ويُعدّ درسًا مهمًا للعودة إلى إحياء التراث التعاوني في اليمن لتأمين سبل عيش كريمة لسكان الريف اليمني، الذين يشكلون نسبة تتراوح بين (40–70)% من سكان اليمن، كما أشرنا إلى ذلك في مقالات سابقة، حسب الإحصاءات السكانية.

وهذا النجاح يحتم على وزارة الزراعة ومكاتبها في المحافظات إعطاء هذه التجربة قدرًا عاليًا من الاهتمام، من خلال تقديم المساعدات الفنية لأصحابها، وفي الوقت نفسه توجيه دعم المنظمات العالمية والدولية، مثل منظمة التنمية الزراعية التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، وغيرها من المنظمات التي تُعنى بتقديم المساعدات الإنسانية لسكان اليمن، نحو التنمية الريفية ودعم أمثال هذه التجربة النوعية الرائدة.

ونؤكد أن دعم هذه التجربة وتعزيز نجاحها من شأنه أن يعيد للتنمية الريفية في اليمن ما فقدته خلال العقود الزمنية الماضية؛ إذ كان الريف اليمني يشهد نشاطات غاية في الأهمية لسد احتياجات سكان الريف، وفي الوقت نفسه تسويق ما تحتاجه المدن من السلع الغذائية الزراعية والحيوانية، ومنتجات عديدة مرتبطة بالنشاط الزراعي، مثل أنشطة تجربة «حقين الحجرية».

ولذلك، فإن اليمن لم تكن تستورد المواد الغذائية من الخارج، وكان نشاط الريف يسد احتياجات المواطنين في البلاد من المواد الغذائية. فقد كانت الحبوب بأنواعها، والحيوانات بأشكالها المختلفة، والعديد من الحرف اليدوية المعتمدة على خامات الأنشطة الزراعية والحيوانية، تملأ أسواق الأرياف والمدن في عموم المحافظات اليمنية.

إن ما نلاحظه من هذه التجربة أنها مكّنت العديد من الأسر من الخروج من فاقة الفقر إلى أسر منتجة ذات دخل يفي بتغطية احتياجاتها، كما أنها وفرت لعدد من أسواق محافظة تعز سلعًا غذائية طبيعية عالية الجودة، إلى جانب توفير فرص عمل متعددة.

وفي حال انتشار هذه التجربة وشمولها أنشطة أخرى مرتبطة بالزراعة والثروة الحيوانية وغيرها من أنشطة الريف المألوفة، نعتقد بأنها ستوفر سبلًا لإنعاش التنمية الريفية ومواجهة الفقر والبطالة، الأمر الذي قد يشكل حافزًا مهمًا لعودة شباب الأرياف من الهجرة الداخلية والخارجية، وبالتالي الحفاظ على استقرارهم في الريف، وعودة الدور التنموي الذي كان يلعبه الريف اليمني سابقًا، قبل أن يتعرض للتدهور نتيجة عوامل الطرد التي واجهتها أنشطة التنمية الريفية.

وباعتقادنا، فإن هذه التجربة، إن لم تحظَ باهتمام الدولة وتدخلها بالرعاية والدعم الفني والإشراف والتوجيه، ومواجهة التحديات التي تواجهها، فقد تظل حبيسة أنشطتها المحدودة؛ إذ إن التنمية الريفية تواجه العديد من التحديات التي لا يمكن التعامل معها دون تدخل الأجهزة المختصة في الدولة، وأهمها وزارة الزراعة والثروة السمكية. ومن أبرز تلك التحديات:
1. ضعف القدرات والإمكانات لدى سكان الريف، وبالأخص القوى الفاعلة (النساء).
2. الصراعات السياسية وعدم الاستقرار، وما ينتج عنه من حروب داخلية وقطع للطرق وإعاقة ممارسة الأنشطة الزراعية والمرتبطة بها، كما هو الحال في محافظة تعز منذ العام 2015 وحتى الآن.
3. ندرة المياه الجوفية نتيجة الاستنزاف الجائر، مع غياب دور الدولة في بناء الحواجز والسدود واستغلال مياه الأمطار الموسمية.
4. التصحر الذي تتعرض له المساحات الزراعية بسبب السيول وغياب الرعاية للأرض، بعد هجرة الشباب من الأرياف بحثًا عن فرص عمل بديلة، سواء في المدن أو خارج البلاد، في ظروف قد تكون محفوفة بالمخاطر.

وبناءً على ما تقدم، نوصي الحكومة اليمنية بإعطاء قدر عالٍ من الاهتمام لهذه التجربة وتعميمها في مختلف المحافظات والمديريات؛ إذ إن الأراضي الزراعية والأنشطة المرتبطة بها تنتشر في عموم اليمن، ويشكل سكان الريف معظم السكان وقواه الشابة المنتجة.

ويتطلب ذلك حضورًا فاعلًا للدولة من خلال الآتي:
– أولًا: توجيه جزء من موارد الدولة، كضرائب القات والواجبات الزكوية، لإنشاء الحواجز والسدود، وتقديم المساعدات العينية والفنية للأسر المنتجة العاملة في الأنشطة الزراعية وتربية الحيوانات وكافة الأنشطة المرتبطة بها.
– ثانيًا: العناية بالأمن والاستقرار، من خلال نشر مراكز للشرطة في مناطق الريف، مع ضرورة منع كافة أشكال الجبايات غير المشروعة.
– ثالثًا: العناية بشق ورصف وسفلتة الطرق لتيسير تواصل التجمعات السكانية في عموم اليمن، عبر شبكة طرق معبدة تربط المديريات ببعضها وبمراكز المحافظات وأسواقها، واعتبار قطع الطرق جريمة يُعاقَب مرتكبوها وفق القانون.
– رابعًا: توجيه الدعم والمساعدات الإنسانية لإنعاش أنشطة القطاع الزراعي وكافة الأنشطة المرتبطة به، بما يشكل مرتكزًا أساسيًا لمواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني وتحقيق أمن غذائي مستدام.
– خامسًا: تشجيع القطاع الخاص اليمني وغير اليمني للاستثمار في الأنشطة الزراعية والصناعات التحويلية المرتبطة بها، مثل الملابس القطنية، الزيوت النباتية، ومنتجات الألبان وغيرها.

* أستاذ الاقتصاد، جامعة تعز