آخر الأخبار

spot_img

عبدالرحمن منيف وروايته «مدن الملح» (2-3)

“صحيفة الثوري” – (ثقافة):

عبدالباري طاهر

دار حديث طويل عن اختفائه، وتوقُّع دعوته؛ شأن آبائه الذين قاوموا الأتراك.

رحلت العائلة مع من رحل من الوادي إلى «عجرة»، ما عدا شعلان. عجرة -المنطقة الأسطورية- تمر بها القوافل.

تولّى فواز شؤون الأسرة باعتباره الأكبر، أمّا شعلان فانزرع في الوادي كالنخيل، وعمل طباخًا في الشركة.

تغيّر كل شيء في الوادي؛ حتى لم يعد يعرفه أحد.

بدأ ابن الراشد يُجيّش للشركة؛ فالتحق بها المئات والآلاف للعمل.

متعب يظهر لابنه شعلان جهارًا نهارًا مرات عديدة، وظهر إثر سيل غزير، ومطر شديد.

ومع الخوف، ولمعان البرق، تبرز صورة متعب كبيرة وبيضاء، ويعود الحديث عن حضوره.

أهل الوادي الآتون من الصحراء يُرغمون على الرحيل إلى «عجرة»، ومناطق «حدرة»، و«الضالع»، و«مَشتى الروضة»، وعشرات القرى المتخيلة والمستعارة من مختلف البلدان العربية، وتكون «حرّان» العنوان الأبرز.

و«الوادي» و«عجرة» منطقة متعب الهذّال، والعمالة، وابن الراشد -رجل الأمير، وصاحب المضافة، والخصيم لمتعب وللعمال أيضًا.

تشهد عجرة التي التجأ إليها أهل الوادي تطورات؛ إذ تمرض «وضحة الحمد»، زوجة متعب، وتفقد صوتها. وتموت قارئة البخت والمستقبل «نجمة المثقال» بسبب سوء معالجة أم الحميدي (صبحة).

ولا يقبل ابن الراشد «صويلح الهديب»؛ لأنه كريم عين، ولا «فواز»؛ لأنه صغير، حين قدّمهما شعلان للعمل، ولكن عندما ازداد الطلب على العمل دعاهما للعمل، مثنيًا على علاقته بهما كأبناء منطقة واحدة.

يتذكر الناس ما قالته نجمة المثقال وتناقلوه، وإن داخله التحريف: «من وادي الجناح حتى الضالع، ومن المسارحة حتى المطالق، النار تلتهم النار، والصغير يموت قبل الكبير، عدٌّ وآخرها مدٌّ.. الولد لا يعرف أبوه، والأخ لا يعرف أخوه».

«من وادي الجناح حتى الضالع، ومن المسارحة حتى المطالق، كل يوم من الأيام التالية سنة من هذه الأيام؛ أولها خير يعم البلاد، وآخرها العباد يلتهم الجراد. أولها أمطار وسيول، وآخرها حاكم جهول. أولها قمح وديباج، وآخرها زوان وعجاج.. الناس رايحة، دايخة».

«ربها الفضة والذهب، وحجها للفرح والذنب. الغني يأكل الفقير، والكبير يظلم الصغير، وكلٌّ يصيح: يا نفسي!»(1).

وتنبؤات كثيرة غامضة تتنبأ بها نجمة «المثقال»، وترددها النسوان، ويتداولها الرجال.

يعود «الحوش» الذي غاب طويلًا بعد وفاة أمه، وقد بدت على وجهه علائم الكِبَر.

يلاحظ السارد الفرق بين «وادي العيون»؛ الأرض الخصبة الموعودة بالمطر، و«الحدرة»؛ المنطقة التي انتقل إليها أهل الوادي، وهي القاسية المجدبة.

كما يتتبع حالة الحزن التي أصابت أهل الوادي إبان الانتقال الثاني من «الحدرة» إلى «روضة المشتى»، ومنها إلى «عجرة».

منطقة عجرة في الرواية مستقر عوائل أهل الوادي، وهي زوادة «حرّان» بالأيدي العاملة في البحث عن الذهب.

في «عجرة» التقى ابن الراشد بفواز وصويلح، وفرض عليهما الالتحاق بالعمل في «حرّان».

ولأول مرة يسمع الرجال باسم حرّان؛ وهي المكان الذي تبدأ منه إدارة التنقيب، وفيها عسكر الأمريكان، وإليها وصلت الآلات عن طريق البحر.

وفي أقل من شهر نشأت مدينتان: حرّان العرب، وحرّان الأمريكان. والعمال هم من بنى المدينتين.

ويشبّه حال العمال العرب بالدُّمى في الأيام الأولى، وكانوا محل سخرية الأمريكان، ويصف دورهم في بناء المدينتين.

ومع نشأة حرّان يبدأ دور العمال، ويبرز دور ابن الراشد ممثلًا للأمير، ومجيشًا للعمالة، وكوسيط بين العمال والأمريكان.

تصل باخرة تدهش الجميع؛ تصدح بالأغاني والطبول، وأنوارها تنتشر في كل مكان، وحجمها الكبير مذهل. يتساءل الناس: كيف لمثل هذا الحجم أن يطفو على الماء؟!

نقلت القوارب المئات من داخل السفينة، وكانت معهم أعداد كبيرة من النسوة.

كنّ طريات، لامعات، باسمات، أو كالخيول بعد شوط طويل من الركض. كل واحدة مغسولة قوية مستعدة، وكأنها خارجة لتوها من حمّام ساخن.

كانت الأجسام لا تسترها إلا قطع صغيرة من أقمشة ملوّنة. السيقان شامخة ظاهرة، وأقوى من الصخر.

الوجوه، والأيدي، والصدور، والبطون؛ كل شيء -نعم، كل شيء- كان يشتعل، يرقص، يطير.

وكان الرجال يشتبكون مع النسوة على ظهر الباخرة في المراكب الصغيرة، أمّا على ظهر اليابسة فقد حصل شيء لا يمكن أن يتكرر أيضًا.

أصبح الناس كلهم كتلة واحدة، وأقرب ما يكونون إلى جسم جمل عملاق. لم يبق أحد إلا واشتبك بالآخرين، والتحم بهم(2).

هكذا يصوّر منيف منظر الباخرة التي نقلت الفتيات الكاسيات العاريات، أو بالأحرى العاريات، إلى حرّان.. وجليّ معنى وصولهن.

وادي العيون، عجرة، الرحبة، روضة المشتى، الحدرة، والروضة، وغيرها كثير من القرى والبلدات والدساكر، لها طرق عديدة تأتي منها القوافل، وتغطي مساحات واسعة من الرواية.

والرائع أنها موجودة في البلدان العربية كتأكيد للوحدة. ورغم قرب حرّان من البحر، إلا أن اثنين من العمال فقط هما من يجيدان السباحة: «مزبان» وأخوه «هاجم».

الذين جاؤوا من الصحراء للبحث عن العمل تاهوا، والمراكب لا تهدأ ولا تنقطع.

ويصف السارد المكان: مجموعة من البيوت الطينية الفقيرة قرب البحر، وحرّان في الصيف جحيم.

اختار الأمريكان حرّان مقرًّا وميناءً لهم. قصة سفينة النسوة شغلت المدينة، وكانت حديثًا ومحل استنكار الكل؛ حتى قال ابن الراشد: «إذا جنّ قومك، عقلك ما ينفعك».

وقال أحد العمال: «أولاد الحرام الأمريكان إذا دخّنوا عمونا، وإذا خنثوا ما أعطونا».

وردّ هاجم: «أكلهم أكل الشيوخ يا مبارك، والمستريح اللي من ذاك غالي»(3).

كان اسم السفينة «سفينة النبي سليمان»، وسماها الأهالي «سفينة الشيطان».

رأى الأهالي وصول الباخرة بداية خطيرة، وطالب الرجال باستعادة جمالهم التي باعوها لابن الراشد؛ للعودة إلى مناطقهم.

صرخ المترجم «نعيم»: «هؤلاء البدو لا تنفع معهم إلا العصا».

وقول «النصيص»؛ نعيم المترجم، كما يلقبه العمال، كان مزيجًا من الكراهية والاحتقار والحقد. لكن مع هذه المشاعر، كان حقدهم على أنفسهم يزداد؛ لأنهم قبلوا وجاؤوا إلى هنا.

وكانت تزداد في صدورهم رغبات كثيرة في أن يتركوا، في أن يحطموا، في أن ينقضوا على ابن الراشد بالذات، الذي ورّطهم في هذه الورطة(4).

توجهت الاتهامات كلها إلى ابن الراشد، الذي بدا شرسًا، ويضع الحواجز بينه وبين العمال.

لا يثق العمال بابن الراشد، وذراعه اليمنى الدحّام، والمترجم نعيم، وهم غير محبوبين.

وفّر ابن الراشد فرّانًا ماهرًا هو المصري محمد عبده، وربما كان شريكًا معه، ونافسه التاجر الدباسي بتوفير فرّان آخر هو عبد الله الأبيض.

كان أهل حرّان يطلقون على التاجر الدباسي «العم»؛ لانتسابه لحرّان، وكان قريبًا لقلوب الناس، وينافس ابن الراشد على شراء الأراضي، والتقرب من أهل حرّان بمناسباتهم.

كان عاقل السويد أمير حرّان متغيبًا معظم الوقت، وليس مهتمًا بالإمارة، وعُيّن بدلًا عنه خالد المشاري. بدا قويًّا وحازمًا، ونسج علاقات مع الأمريكان.

المدينة الجديدة (مدينة العرب) التي بدأت بثلاثة بركسات، وثلاثمئة وخمسين عاملًا، اتسعت وكبرت. يتكدس فيها العشرات والمئات والآلاف.

وبدأ الأمريكان يضعون المعايير للعمال، ويضع العمال معاييرهم للقدم والقرابة.

ويميز الأمريكان بين العمال الأكثر وعيًا، والأقدر على فرض إرادتهم، والمطالبين بحقوقهم. وبدأت النظرة إليهم تتسم بالخشونة والعداء.

أما المسالمون، فيلقون عناية خاصة، وتبدأ الإجراءات ضد العمال الأكثر مقدرة ومطالبة ووعيًا.

أُرسل مزبان وأخوه هاجم وآخرون إلى البحر لتقطيع الصخور؛ لأجل توسيع الميناء. وهم، وإن كانوا غواصين ويحبون البحر، إلا أن المهمة كانت شاقة وخطرة.

لم تمض إلا فترة حتى عاد العمال، ولم يعد مزبان. وبعد البحث، تبيّن وقوعه تحت صخرة.

بدأ الغضب والنكير في العمال، وأصيب أخوه هاجم بالذهول وفقدان الوعي.

يجري الانشغال ببناء دار الإمارة قريبًا من إدارة الأمريكان. أصبح العمال مشغولين بموت مزبان ومصير أخيه هاجم، بينما الإدارة مشغولة ببناء دار الأمير.

وصل إلى حرّان تاجران مغتربان من أبناء حرّان: محمد السيف، وعبد الله السعد.. سيكون لهما شأن في حرّان.

الدباسي يجند عمالًا بدلًا من ابن الراشد المتغيب، والحياة في البركسات تزداد صعوبة.

مدينة الأمريكان تزداد اتساعًا، وتكبر أكثر، والأشجار فيها تزدهر، والحدائق تتسع، وينظر إليها العمال بالتهيب والحذر.

يجري الأمريكان مقابلات مع بعض العمال، وتدور الأسئلة عن الاسم والجد، وجد الجد، ومن أي قبيلة، والفخذ، واسم الأم.

وتثير المقابلات والأسئلة هرجًا ومرجًا وشكوكًا كبيرة، تنتهي بإيقافها؛ برفض بعض العمال إجراءها.

عاد هاجم مع شيخ مسن إلى حرّان، ويجري البحث عن ابن الراشد الذي اختفى.

سأل الأمير الرجل المسن: من أنتم؟ وما الذي جاء بكم إلى حرّان؟

أجاب الرجل بأنه جاء ليصل إلى حقه، ليعرف كيف قُتل ابن أخته، ومن قتله، وليعرف أيضًا كيف انهبل الثاني، وعلى تسبب ابن الراشد.

«ابن الراشد غريمي. شوف ما شفته، لكن سمعت عنه».

لم يكن بحرّان سجون، ولا يعرفون أين يوصلوهما. صرخ فيهم نائب الأمير: «اربطوهم إلى الجمال».

أبدى رجال الإمارة استغرابهم واستنكارهم.

ردّ الرجل المسن: «الواحد إذا ما أخذ حقه بذراعه يموت، ولا يحصل على شيء».

في السرد تتداخل مشكلة مقتل مزبان، وجنون هاجم، ببناء دار الأمير. ويدور التقاضي بين المسن -خال مزبان وهاجم- وابن الراشد، ويتصاعد غضب العمال ونقدهم.

يرفض الأمريكان التعويض، رغم محاولة الأمير التوسط لاقتسام التعويض بين الشركة وابن الراشد.

يلزم الأمير ابن الراشد بدفع التعويض، ودفع ابن الراشد التعويض للأمير، بعد أن غادر العجوز المسن مغاضبًا حرّان، ومعه هاجم.

وبدأ الحديث عن ظهور متعب الهذّال، ومعه كثيرون يعدّون للأخذ بثأر مزبان وهاجم.

يقدم منيف وصفًا دقيقًا للتطورات التي تشهدها حرّان: الأسواق، الدكاكين، المسجد، البركسات التي تشتد معاناة العمال فيها نتيجة حر الصيف، ويذكر مغادرة الأمريكان في الصيف، وغياب الأمير ورجالاته.

ويكون الصيف جحيمًا للعمال بانتشار الحشرات والأوبئة واشتداد المعاناة.

يأتي محيي الدين النقيب، شاه بندر التجار في البصرة، كما أتى حسن رضائي، وكان الاحتفاء به وبالباخرة التي جاء بها كبيرًا.

قدم منظارًا مقرّبًا كهدية للأمير. دار الحديث مطولًا عن المنظار الذي تُرى به حبة القمح من مكان بعيد، وتُرى به النجوم وكأنها فوانيس معلقة.

علّق رجل الدين، وهو من رجالات حرّان: «صارت الدنيا بآخرتها، ومنذ أن جاء الأمريكان، جاءت معهم العفاريت، والمعاصي والمصايب، ولا أحد يعرف ماذا سيحصل في الأيام الآتية؟».

ثم دعا الله أن يميته على دين آبائه(5).

غرق محمد عبده الخباز المصري الماهر، شريك ابن الراشد، والمهووس بالصور للفتيات. وقد أصيب بلوثة بعد باخرة العاريات، وغرامه الموهوم بواحدة منهن، وقذف بنفسه في البحر للالتقاء بها.

خفت دور ابن الراشد، وحل محله تابعه دحّام، ثم صالح الدباسي المقرب للأمريكان.

وبموت عبد العزيز ابن الراشد، أصبح الدباسي هو الأساس.

استطاع الدباسي الأب أن ينسج علاقات مع الأمير من خلال رحلات الصيد المغرم بها الأمير، والتعاون مع الأمريكان.

وأدرك العمال أن ابن الراشد ضحية الأمريكان، وشبهوا الأمريكان الذين لا صاحب لهم بالذئب والغنم، أو الجراد والزرع. كان ابن الراشد الجراد، والأمريكان الذئب.

اندهاش الأمير، وأهالي حرّان بوصول السيارات إلى حرّان، لا يختلف عن وصول الآلات والمخترعات الفرنسية إلى مصر إبان الغزو الفرنسي، وربما كانت مشاعر البداوة أشد استغرابًا.

غرق الأمير في الناظور، وبالأخص عندما رأى النسوة «العراطيط» في الباخرة، وكان يصيح: «يا أولاد الحرام، يا أمريكان! مصاليخ! مصاليخ! كلهم مصاليخ! ربي كما خلقتني».

ويتمسك أكثر بالمنظار: «هالحين ماهي واحدة؛ ثنتين: ناقة، وفلو».

وعندما دخل الراديو إلى حرّان، كان محل حيرة واستغراب أهل حرّان. وإذا كان الناظور قد احتكره الأمير ونائبه، فإن الراديو -الصندوق الحديدي، كما سُمّي، أو حصان الجن، كما سماه آخرون- كان حديث حرّان كلها. وقد أهداه التاجر حسن رضائي للأمير، ومكث مدة يعلمه طريقة فتحه، وكان الأمير يزهو ويتفاخر بتشغيله.

تكلم المدعوون لسماع الآلة العجيبة عن الفساد، وخراب الذمم، والشر المخيم، وسكوت الأمير الذي لا يجدون له سببًا على المفاسد وما يقوم به الأمريكان؛ فهي أمور محيرة، وتثير من الشكوك أكثر مما يتوقع الإنسان.

وبعد مشاهدة الراديو، تحدث الآتون من مصر أو البلدان الأخرى أنهم قد شاهدوا الراديو، ودار حديث انتهى بتحذيرات ابن نفاع من جهنم.

وامتزج استغراب الأمير بالخوف عندما ركب السيارة لأول مرة، وكان شديد الخوف، والأمريكي يقود السيارة.

ويتناقش الأمير ونائبه حول المقارنة بين المطايا والسيارة، ويرون أن السيارة أسرع، ولكن ما لها أمان.

ينشأ في عجرة مكتب سفريات قبل نهاية تعبيد الطريق بين عجرة وحرّان، وتبدأ بالعمل سيارتا شحن كبيرتان. يسوق الأولى الأرمني «أكوب»، والثانية «راجي أبو عقلين».

ويتفرد الاثنان بالعمل في المدينتين. أكوب جاء من حلب، وولادته وراء الجبال في أرمينيا.

لسنوات ظلت الشاحنتان الكبيرتان وسيلة النقل الوحيدة للبضائع والمسافرين.

وأكوب وأبو عقلين عَلَمان من أعلام المدينتين. أبو عقلين حاد المزاج، لكنه طيب القلب. أمّا أكوب فصبور، وكتوم، وعملي، وماهر، ويتحمل كثيرًا نزق أبو عقلين.

وحين تصل إلى حرّان السيارات الجديدة التي استوردها رضائي، صارت بديلًا أجدّ وأحدث من شاحنتي أكوب وأبو عقلين القديمتين، وشبه العاطلتين.

سرق رضائي الركاب والحمولة من أكوب وراجي.

وجاءت باصات جديدة استوردها محيي الدين النقيب، فسرق محيي الدين النقيب بالباصات التي أتى بها الركاب من رضائي.

وافق رضائي على تشغيل راجي سائقًا، وعلى شراء سيارة أكوب.

أكوب وراجي أبناء مهنة ساد بينها ود كبير، بعد أن وجدا نفسيهما خارج الحلبة، وحلّ أو سرق عملهما رأسماليون.

مات أكوب في يد صديقه بذبحة، ورفض إمام المسجد إبراهيم الحميدي الصلاة عليه؛ لأنه نصراني وكافر.

وطلب ابن نفاع من عبد الله الزامل أن يغسله، ويشوف إن كان مختونًا أم لا.

وتساءل: إن كان الرجل يشرب بول إبليس أم لا؟ ولما تأكدوا من كل شيء، جرت الصلاة عليه، وشيّع في جنازة كبيرة.

استغرق بناء خط الأنابيب من وادي العيون إلى حرّان سبعة وعشرين شهرًا.

يسود جو من التعب والمعاناة للعاملين والأمريكان معًا. وفي إحدى الليالي، ودون توقع أو انتظار، تستيقظ المخيمات ومجمعات العمل على سمع صهيل الخيول، وزخات الرصاص، وخبر هجوم متعب الهذّال.

ارتعب الأمريكان، وكانوا يصرخون ويتراكضون في كل الاتجاهات.

الحكيم صبحي المحملجي الآتي من دمشق قدم نفسه للأمير خالد بعد أن ترك بعثة الحج. نسج علاقة سريعة ومتينة مع الأمير، واحتل مكانة مقضي الجدعان -الطبيب الشعبي الذي يعالج بالكي وبالأعشاب-.

ظل متعب الهذّال شبحًا يغيب ويحضر خلال فترة مد الأنابيب؛ سبعة وعشرين شهرًا من التعب والعمل المتواصل، ومن معايشة الصحراء شبرًا شبرًا.

ألقى المستر هاملتون كلمته بمناسبة الانتهاء.

(للحديث بقية)

روايات مدن الملح

الهوامش:
(1) مدن الملح، عبدالرحمن منيف، ص158.
(2) المصدر نفسه، ص202، 203.
(3) المصدر نفسه، ص207.
(4) المصدر نفسه، ص220.
(5) المصدر نفسه، ص370، 371.