“صحيفة الثوري” – (كتابات):
تحليل: خليل الزكري
يُعدّ اجتماع منظمة الحزب الاشتراكي اليمني بمحافظة لحج، وإقرار خطتها لعام 2026، برئاسة الأمين العام الدكتور عبدالرحمن عمر السقاف، الخميس الماضي، مؤشراً بالغ الأهمية على ديناميكيات المشهد السياسي اليمني في مرحلة بالغة التعقيد، بل ويتجاوز مجرد كونه نشاطاً حزبياً روتينياً.
ولفهم أبعاد هذا الحدث، يمكننا تحليله عبر أربعة محاور رئيسية، على النحو التالي:
الأول: القضية الجنوبية.. من توصيف الأزمة إلى حق تقرير المصير
التأكيد الذي قدمه الأمين العام، خلال اجتماع المنظمة، حول مركزية “القضية الجنوبية”، وموقف الحزب الداعم لـ”حق الشعب في تقرير مصيره”، كان جوهر الرسالة السياسية للاجتماع.
ويستند هذا الموقف إلى تاريخ طويل؛ فالحزب الاشتراكي يعتبر حرب صيف 1994م نقطة تحول كبرى، ويرى أنها ألغت الاتفاقيات السلمية التي بموجبها تحققت الوحدة اليمنية في العام 1990، واستبدلتها بمنطق القوة والغلبة، وسياسة الضم والإلحاق.
وهذا الموقف ليس وليد اللحظة؛ فالحزب الاشتراكي لعب دوراً محورياً في تشكّل “الحراك الجنوبي السلمي”، وكان رافعة سياسية له منذ انطلاقته، كما تعرضت قيادات الحزب في الجنوب للاعتقال والقمع من قبل النظام السابق.
وخلال مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014)، قدم الحزب الاشتراكي رؤية متكاملة لحل القضية الجنوبية، تتجاوز الشكليات، باعتبارها أزمة بنيوية في الوحدة، أكثر من مجرد نزاع على موارد أو مناصب، كما تتعامل معها معظم القوى اليمنية.
وفي هذا السياق، طرح الحزب، في رؤيته المقدمة لمؤتمر الحوار، مشروع الدولة الاتحادية من إقليمين (شمالي وجنوبي) كحل وسطي، ورفض الحلول الشكلية التي لا تعالج جذور المشكلة، وتعاطت مع القضية الجنوبية بخفة سياسية.
إن تأكيد الأمين العام على هذا الموقف من محافظة لحج يحمل أبعاداً استراتيجية؛ فهي محافظة جنوبية ذات ثقل تاريخي للحزب.
ويمثل الموقف تأكيداً على الهوية الوطنية للحزب، إذ تأتي دلالته كتذكير بالجذور التاريخية للحزب في مشروع الوحدة الوطنية، الأمر الذي يحتم عليه التمسك بتبني القضية الجنوبية كأولوية وطنية.
كما أن الموقف يحمل أيضاً دلالة ترسيم الموقع السياسي للحزب في المشهد الجنوبي المعقد، خاصة في ظل وجود قوى جنوبية أخرى، كالمجلس الانتقالي، الذي يتبنى نهجاً انفصالياً يقفز على الأبعاد الوطنية للقضية الجنوبية، خصوصاً بتبنيه مشروع “الجنوب العربي”.
ويعكس الموقف استمرار الحزب الاشتراكي في طرح رؤيته لحل القضية الجنوبية القائم على “الندية” بين الشمال والجنوب.
الثاني: قراءة المشهد في سياق 2026
لا يمكن فهم أهمية الاجتماع، الذي عقد بحضور الأمين العام، بمعزل عن السياقين المحلي والوطني المضطربين.
فعلى المستوى الوطني، يمر اليمن بمرحلة حرجة للغاية، تتسم بتداخل الصراعات، وما تشهده المنطقة منذ بداية العام 2026 من توترات وتصعيد إقليمي، حيث حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من أن التصعيد في المنطقة “يعمّق انعدام الثقة بين الأطراف اليمنية ويقوض فرص الحل السياسي”.
كما شهدت الساحة اليمنية تغيرات ميدانية وتحولات في خريطة السيطرة، حيث تمكنت الحكومة المعترف بها دولياً من استعادة السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، وسط تراجع النفوذ الواسع الذي كان يتمتع به المجلس الانتقالي الجنوبي سابقاً.
ويتزامن ذلك مع أزمة إنسانية متفاقمة وكارثية، حيث يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وفق تقديرات أممية، في ظل انهيار الاقتصاد والخدمات الأساسية.
أما على المستوى المحلي في لحج، فإن هذه التطورات تأتي في وقت تسعى فيه منظمة الحزب في لحج إلى تعزيز حضورها، والعمل بتعاون إيجابي مع السلطة المحلية الجديدة.
ويمكن النظر إلى هذا الاجتماع على أنه محاولة لتفعيل دور الحزب كفاعل محلي قادر على التعبير عن هموم المواطنين وتطلعاتهم، كما دعا الأمين العام إلى “تعزيز الصلة بالجماهير، وتبني قضاياهم واحتياجاتهم المعيشية”.
الثالث: خطة 2026 وإعادة التموضع التنظيمي
حمل الاجتماع، إلى جانب الرسائل السياسية، إجراءات تنظيمية ملموسة تعكس استراتيجية الحزب الاشتراكي للمرحلة المقبلة.
وتمثل “خطة 2026″، التي أُقرت في الاجتماع، خارطة طريق داخلية بهدف تنشيط العمل الحزبي، وتفعيل الهياكل التنظيمية على مستوى المحافظة والمديريات، والارتقاء بالأداء من خلال تطوير آليات العمل السياسي والتنظيمي، وتعزيز الحضور الجماهيري، لجهة التركيز على القضايا المعيشية للمواطنين والانخراط في همومهم اليومية.
كما تحمل القرارات الداخلية التي أسفر عنها الاجتماع، مثل ترفيع أحد الأعضاء إلى السكرتارية، وإضافة عنصرين نسائيين إلى لجنة المحافظة، إشارات داخلية مهمة؛ فهي أكثر من مجرد إجراءات إدارية.
وأبرز ما تشير إليه هو السعي لتجديد القيادات، وفتح المجال أمام الكوادر الحزبية، بضخ دماء جديدة في المواقع القيادية، مع تعزيز دور المرأة كخطوة رمزية وعملية لتوسيع قاعدة المشاركة داخل الحزب، استجابة لتحديات العصر.
الرابع: رسالة وجود وترتيب أوراق
في الجوهر، يمكن قراءة هذا الاجتماع كرسالة متعددة الأوجه:
• رسالة حزبية: تأكيد على وحدة الصف، وتفعيل العمل التنظيمي، بحضور قيادة الصف الأول ممثلة بالأمين العام.
• رسالة سياسية وطنية: إعلان عن استمرار الحزب في العمل السياسي المنظم، رغم تعقيدات المشهد، ليكون جزءاً من أي عملية سياسية وتسوية مستقبلية شاملة.
• رسالة للجنوب: تذكير بأن الحزب الاشتراكي لا يزال لاعباً رئيسياً في معادلة القضية الجنوبية، برؤيته الخاصة التي تقترب من جوهر الحل، وتختلف عن رؤية القوى الأخرى.
في نهاية المطاف، يمثل اجتماع منظمة لحج حلقة في سلسلة تحركات بدأها الحزب الاشتراكي في حضرموت، وشبوة، والضالع، وعدن، وتعز، لتأكيد حضوره في عملية منظمة، تكشف أن الحزب، رغم كل التحولات التي عصفت بالبلاد، لا يزال كياناً حيّاً يمتلك رؤية وأجندة تؤهله ليكون لاعباً محورياً في رسم مستقبل اليمن.

