آخر الأخبار

spot_img

وهم الاستراتيجية لدى ظريف

صحيفة الثوري – ترجمات

تدوينة لـ مهدي باربانشي

مقال جواد ظريف الأخير في Foreign Affairs مهم. لكن ليس للسبب الذي يقصده.

يقدّم ظريف نفسه كرجل يطرح مخرجًا من الحرب. يجادل بأن على إيران قبول قيود على برنامجها النووي، وإعادة فتح مضيق هرمز، واستعادة صادرات النفط، وإعادة بناء العلاقات الاقتصادية، وتوقيع اتفاق عدم اعتداء دائم مع الولايات المتحدة. على الورق، يبدو هذا كنافذة دبلوماسية. لكن في الواقع، يبدو كإشارة متأخرة من نظام واقع تحت الضغط، لا يزال لا يدرك حجم التغير في الأرضية الاستراتيجية.

في رسالة مسرّبة أرسلها بعد أيام فقط من اندلاع الحرب، أوضح ظريف أنه لا يتحدث من مركز القرار. قال إن أحدًا من وزارة الخارجية لم يتصل به حتى. وقال إن أي مقترح يقدمه لا جدوى منه. وأشار إلى استعداده للقيام بما وصفه بـ”مهمة انتحارية” عبر طرح اتفاق على الطاولة رغم علمه بالهجوم الذي سيتعرض له داخليًا. كما رأى أن الإشارات الرمزية يمكن أن تخفف الأزمة، وأن دونالد ترمب يريد مخرجًا مشرفًا ولا يملك الصبر على الخطط الطويلة والمعقدة.

أي شخص يعرف ظريف ويعرف بنية الجمهورية الإسلامية يدرك أن مقالًا كهذا لا يُنشر في مجلة مثل Foreign Affairs من دون قدر من القبول أو الإشارة من داخل النظام. لذلك لا ينبغي قراءة المقال كخيال شخصي لدبلوماسي متقاعد، بل كإشارة إلى أن أجزاء من النظام — رغم الخطاب المتشدد — باتت ترغب في التفاوض. لكنه أيضًا إشارة إلى أن هؤلاء أنفسهم لا يزالون لا يفهمون اللحظة التي يعيشونها.

تسلسل المفاوضات يوضح المشكلة. قبل نحو عام، فتح ترمب محادثات مع الجمهورية الإسلامية. ونحن نعلم الآن ما الذي كان يريده: تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، قيود حقيقية على برنامج الصواريخ، إنهاء فعلي لشبكة الوكلاء، ووقف العداء تجاه إسرائيل. النظام رفض. ثم جاءت حرب الاثني عشر يومًا. أوقفها ترمب ومنحهم فرصة أخرى. بعد أشهر، استؤنفت المفاوضات. لم تتغير المطالب، ولم يتغير رد طهران. لذلك شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا جديدًا. والآن يعود ظريف بصيغة هي في جوهرها الصيغة الإيرانية القديمة: تحتفظ الجمهورية الإسلامية بقدراتها الأساسية، وتعرض قيودًا نووية جزئية، وتطلب في المقابل تخفيف الضغوط.

من وجهة نظر ترمب وبنيامين نتنياهو، هذا ليس عرضًا جديًا، بل صفقة سيئة. إذ ستحصل طهران على تخفيف للضغوط، ووقت، وشرعية، بينما يبقى جوهر الصراع قائمًا.

يكتب ظريف بعقلية زمن آخر. يعكس مقاله العادات القديمة في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية. لكن المنطقة بعد 7 أكتوبر لم تعد هي منطقة سنوات الاتفاق النووي (JCPOA). كما أن من يواجهون طهران اليوم ليسوا باراك أوباما وجون كيري، بل ترمب وماركو روبيو. لقد تغيرت نظرة إسرائيل للتهديد الإيراني بشكل جذري، كما تقلّصت بشدة درجة تسامح واشنطن مع برامج إيران النووية والصاروخية ونموذجها الإقليمي. لم تعد لغة الدبلوماسية القائمة على حفظ ماء الوجه ملائمة لساحة المعركة ولا للسياسة المحيطة بها.

ويظهر الفشل ذاته في قراءة ظريف لشخصية ترمب. ففي الرسالة المسرّبة، يقول إن ترمب يحتاج إلى مخرج مشرّف ولا يملك الصبر على الخطط المعقدة. هذا خطأ مألوف في واشنطن وفي الإعلام الأميركي. ويُقال إن أستاذًا جامعيًا في واشنطن ساهم بشكل كبير في صياغة مقال ظريف، وهو أمر مهم لأن قراءة ظريف لترامب لا تعكس رأيه وحده، بل تعكس النظرة القصيرة نفسها التي سادت جزءًا كبيرًا من الإعلام والنخبة السياسية الأميركية لسنوات. فقد صوّروا ترمب كشخص مغرور، غير صبور، يسهل استرضاؤه. وقالوا إنه عارض اتفاق أوباما مع إيران فقط لأنه من إنجاز أوباما. وكرروا أنه سيقبل باتفاق أضعف إذا مُنح مجرد صورة تذكارية. كان هذا الطرح سطحيًا دائمًا. تركيز ترمب على الجمهورية الإسلامية كان أكثر اتساقًا مما فهموه، وكذلك الأمر بالنسبة لفريقه. أي متابع لتصريحات ماركو روبيو السابقة بشأن إيران كان سيدرك أن هذه الإدارة لا تبحث عن الرمزية، بل عن التراجع الحقيقي (rollback).

أراد ظريف أن يبدو مقاله كاستراتيجية. لكنه في الحقيقة يبدو كرد قديم من طبقة سياسية لم تستوعب بعد مقدار التحول الذي حدث تحت أقدامها. وأولئك الذين يمدحونه أو يأخذونه على محمل الجد يرتكبون الخطأ نفسه.