“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد فاضل الفقيه
استهلال: في برزخ الزمن الساكن
لم يكن “الانتظار” يوماً مجرد فجوة زمنية تفصل بين حدثين، أو وقوفاً عابراً على رصيف الوقت؛ بل هو، في جوهره، حالة وجودية مكثفة، وصراع صامت تخوضه الكينونة ضد تآكل المعنى. في المجتمعات التي أثقلتها التحولات، وعصفت بها رياح الانكسار، يتحول الانتظار من فعلٍ إرادي يقتات على الأمل إلى “سوسيولوجيا” قائمة بذاتها، تحكم علاقة الإنسان بالمكان، وتعيد صياغة وعيه بذاته وبالآخرين.
إننا نعيش اليوم في “زمن البرزخ”، حيث لم يعد الزمن نهراً متدفقاً نحو الغايات، بل تحول إلى بحيرة راكدة يغرق فيها الوعي الجمعي تحت وطأة الترقب. هنا يتشكل “المجتمع القلق”؛ ذلك المجتمع الذي لا يحيا حاضره لأنه معلقٌ بحبال مستقبلٍ مؤجل، ولا يستعيد ماضيه إلا بوصفه ملاذاً من قسوة الراهن.
إن الانتظار، في جوهره، هو “تعليق للحياة”؛ فعندما تنتظر الشعوب تحولاً سياسياً أو انفراجاً طال أمده، فإنها تمارس نوعاً من الصمود “النازف”، حيث يفقد الفرد سيطرته على “الآن”، ويصبح رهينة لـ”الآتي” الذي قد لا يجيء. هذا التعليق يحول الطاقات المبدعة من فعل البناء إلى فعل الترقب، مما يؤدي إلى “عطالة تاريخية” ينشأ عنها ما يُعرف بـ”المجتمع البرزخي”.
في هذه البيئة، يصبح التخطيط للمستقبل نوعاً من العبث، وتتحول العلاقات الإنسانية إلى روابط مؤقتة بانتظار لحظة الخلاص الشامل. ولا يغيب البعد السياسي عن هذا المشهد؛ فالسلطة تدرك أن إبقاء الشعوب في حالة انتظار دائم هو أقوى وسيلة للضبط الاجتماعي، واستنزاف الروح الثورية، وتحويلها إلى أمنيات فاترة.
هنا لا يعود الانتظار قدراً، بل يصبح “صناعة أيديولوجية” مُحكمة؛ حيث تقتات الأيديولوجيات الشمولية على مفهوم “الخلاص الآتي”، وترحّل العدل والرفاه إلى زمنٍ قادم لا يصله الناس أبداً. إن هذا “المستقبل المُصادَر” يحول الجماهير إلى قطيع من المنتظرين، ويجعل من العجز “صبراً”، ومن الاستسلام “حكمة”.
إنها أيديولوجيا تُقدّس “الوقوف” وتُجرّم “الحركة”، لأن أي فعل حقيقي في الحاضر قد يكشف زيف الوعود المؤجلة. هذا الشرخ بين نص الأيديولوجيا، الذي يتحدث عن حتميات النصر، والواقع الذي يغرق في الانهيار، يخلق انفصالاً حاداً في الوعي؛ حيث يعيش الناس في عالم الأوهام، بينما يتآكل واقعهم يوماً بعد يوم.
عندما تسقط الأقنعة عن هذه الأيديولوجيات، يقع “انكسار سوسيولوجي” عميق؛ فأقسى لحظات التاريخ هي تلك التي يكتشف فيها المجتمع أنه كان ينتظر “لا شيء”. هذا الانكسار هو انهيار لمنظومة المعنى، ويقود إلى تشظي الهوية والارتداد نحو الانتماءات الضيقة (القبلية والمناطقية) كملاذات أخيرة للنجاة.
إن الشعوب التي تُحرم من قطف ثمار انتظارها تميل إلى “تفكيك الذات” كعقاب لاواعي على سذاجة الأمل، مما يولد روحاً “عدمية” مدمرة، تجعل التشكيك في أي مشروع مستقبلي هو القاعدة، وتُدخل المجتمع في حالة من الهزيمة النفسية.
إن الخروج من نفق الانكسار لا يكون بانتظار “مخلّص” جديد، بل باستعادة “اللحظة الراهنة” وتحويلها إلى ورشة للفعل المقاوم. يبدأ الانبعاث حين يدرك المجتمع أن الزمن ليس قدراً يمر فوق الرؤوس، بل هو مادة نصنعها بأيدينا.
التحرر من سوسيولوجيا الانتظار يتطلب الكفر بالوعود الكبرى المؤجلة، والإيمان بالمنجزات الصغرى الممكنة، وترميم الذاكرة بعيداً عن تزييف الأيديولوجيا. إن المجتمع المنبعث هو الذي يرفض تجميد وقته لصالح أي شعار، ويصوغ عقداً زمنياً جديداً يقوم على المساءلة والمبادرة؛ زمنٌ يحترم كرامة الفرد في حاضره، ولا يقايض حياته الحقيقية بأوهام لا تخدم إلا بقاء النخب في مقاعد المتفرجين.
* المجتمع البرزخي: حالة من الوجود بين الحياة والموت، أو بين الواقع والعالم الآخر، حيث تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة، وتتشكل فيها الذاكرة والتاريخ بشكل مختلف.
* الأيديولوجيا: مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي تشكل رؤية شاملة للعالم والواقع، وتؤثر على سلوك الأفراد والمجتمعات.

