آخر الأخبار

spot_img

مشاهدات متراكمة من مواسم الزواج

صحيفة الثوري – كتابات

بليغ عبدالرب

كثيرة هي العوائق التي تقف حائلا بين الشباب والزواج، على رأس تلك التحديات يأتي الفقر، وفي واقع متصارع تشح فيه الفرص يوما بعد آخر، وتتنامى فيه البطالة وكذلك كلفة الزواج باطراد كل عام ومع كل أزمة، الأمر الذي يجعل الزواج بالنسبة للكثيرين صعب المنال.

لكن الفقر، رغم قسوته، يمكن تجاوزه بطرق تبعت على الذهول، ولطالما لاحظنا أن الفقراء أكثر اقبالاً على الزواج من الأغنياء.

ففي بلد فقير ويشهد حربا منذ سنوات، ثمة ما يصعب تجاوزه وهو تلك الشروخ والندوب النفسية والذهنية التي تخلفها الحروب، وحيث تتصدع وتنهار العلاقات الإنسانية وتتغير القناعات والنظر للحياة. فالأفكار والمشاريع التي كانت تتصدر اهتمامنا تتلاشى، تتدمر، تصير أمورا يمكن الاستغناء عنها في واقع يتطلب عناء عسيرا كي تقف على قدميك، وكما تدمر الحرب الحاضر والمستقبل والأحلام العزيزة والبيوت، تدمر أيضاً الرغبة في بناء بيت تتمثل بالزواج، الأمر الذي يدفع إلى الوقوع في غرام العزوبية الحل السحري لما تقدمه من اغواء وتصورات مبهجة وخيارات أقل وطأة والتزاما من زواج يحاط بتحديات وتهديدات ولا يعد بشيء.

برغم من ذلك، لنتخيل أن تلك العراقيل تلاشت ولم يعد ثمة مشكلة لدى شخص قرر الزواج وأن كل شيء أصبح جاهزاً للزفاف، لكن مشكلة من نوع آخر طرأت فجأة من شأنها جعل الزفاف كئيباً، كأن تقع حادثة ما كان ينبغي وقوعها لأنها ستفسد الزفاف وطقوسه، وماذا يفسد الأفراح أكثر من الموت؟ كثيرا ما يحدث ذلك في الواقع، أن يباغت الموت بيت العريس أو العروس أو محيطهما فيبتلع الفرح والأغاني والزغاريد وكل شيء.

لكن ما هو الفرح ان لم يكن أغاني صاخبة، وأقداماً لا تتوقف عن الرقص، وأطباقاً ممتلئة باللحم وضيوف وأضواء ومفرقعات؟

لا شك أننا شهدنا في محيطنا (قرانا) حوادث من هذا النوع، عندما يموت شخص وهناك زفاف أو أكثر. في هذه الحالة يخضع أصحاب الأعراس لاعتبارات أخلاقية ويحتم عليهم احترام الموت ومشاعر أسرة الفقيد وحسن الجوار كنوع من التضامن المجتمعي إزاء الأحزان والفواجع. وعليه قد يؤجل موعد الزفاف إلى ما بعد أيام الحداد إذا كان الفقد في بيت العروس أو العريس، وقد يسير كما هو مقرر لكن بدون صخب أو بصخب أقل، أما إذا استمر الزفاف بصخب احتفالي متبجح دون مبالاة لمهابة ورهبة الموت ولا للمشاعر المكلومة، فعلى الأرجح تكون ردة المجمتع غاضبة، ولن يفاجئ أحدا بمقاطعة الناس للزفاف بكل السبل، لأن سلوكا كهذا يمقته الناس ويبغضون صاحبه.

لكن لا تسير الأمور دائماً بهذا النبل. فحين يموت شخص من بيت ثرية أو لها وجاهة اجتماعية، أو حتى من أولئك الذين يحظون حقاً بتقدير كبير عن استحقاق لاعتبار ما، تصاب الأفراح بالخرس، ويتبارى الجميع في إظهار الحزن ويصبح احترام الموت واجباً مقدساً. أما حين يرحل شخص “عادي” فلا يعني موته أحد عدا حلقة صغيرة من الأهل والجيران، فيما تستمر الأعراس على ما فيها من طقوس وصخب وتلويث وربما بحدة أكبر فوق أنين الثكالى ودون احترام لرهبة الموت والحزن والمشاعر المكلومة، وأصبح موت “الإنسان العادي” أو البسيط ليس أكثر من حادثة عرضية لا ترقى للفت الانتباه. كأنهم مجرد فوائض بشرية لا يستحقون التكريم لا في أحزانهم ولا في أفراحهم. هؤلاء دائما يظلون محكومين بالتجاهل، مهمشين بلا عزاء ولا يستحقون الحب غير المشروط ويفقدون الحق في التعاطف معهم. فقط لأن المجتمع قرر ذلك.

ولأن الحياة مليئة بالتناقضات الصارخة، ولأن المجتمع لا يوفر للجميع فرصاً متساوية، تبرز الفروق الطبقية وتعلو المعايير التي تبنى عليها المكانة الاجتماعية، وأصبح الناس يقسمون بعضهم بعضاً على درجات السلم الاجتماعي، أولئك الذين يستحقون أكبر قدر من الاحترام والحب والإعجاب، ومن يستحقون أقل أو لا يستحقون، ليمتد هذا التقسيم حتى إلى الموت والأحزان، لتصبح قيمة الفقد مرتبطة بمكانة الراحل وعائلته على درجات هذا السلم.