“صحيفة الثوري” – “مونت كارلو الدولية”:
شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل، الثلاثاء، ما وصفته وزارة الدفاع الأميركية وسكان في طهران بأعنف الغارات الجوية منذ اندلاع الحرب على إيران، وكذلك مع تصاعد العمليات البحرية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تداعيات الحرب على أمن الطاقة العالمي والملاحة في مضيق هرمز، وإعلان امريكي ببدء تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني، فيما ردت طهران بموجات جديدة من الصواريخ والمسيرات على دول المنطقة.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية الثلاثاء أن قواتها دمّرت 16 ناقلة ألغام إيرانية قرب مضيق هرمز، في إطار عمليات تستهدف منع طهران من زرع ألغام في الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قال في وقت سابق إن الولايات المتحدة “دمّرت بالكامل 10 سفن غير نشطة لزرع الألغام”، محذراً إيران من ضرورة إزالة أي ألغام محتملة فوراً وإلا ستواجه “عواقب عسكرية”.
وفي ظل المخاوف من تهديد الملاحة، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كين إن الجيش يدرس خيارات لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز إذا صدرت أوامر بذلك، لكنه أقر بأن المخاطر لا تزال مرتفعة.
وكشفت مصادر لرويترز أن البحرية الأمريكية رفضت حتى الآن طلبات متكررة من شركات الشحن لتوفير حماية عسكرية للسفن، كما نفت واشنطن مرافقة أي ناقلة نفط عبر المضيق بعدما حذف وزير الطاقة الأمريكي منشوراً تحدث فيه عن مرافقة سفينة.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن الجيش الأمريكي يواصل تفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية، مشيرة إلى أن قاذفات الشبح الأمريكية B-2 ألقت قنابل تزن ألفي رطل على مواقع صواريخ عميقة تحت الأرض داخل إيران، وذلك ضمن أعنف الغارات الجوية التي يشهدها الصراع منذ اندلاعه قبل 11 يوما.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف قواعد أمريكية في البحرين وكردستان العراق بصواريخ بالستية، بينها قاعدة الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في البحرين.
وهدد متحدث باسم الحرس بأن صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة ستتصدى لأي تحرك للأسطول الأمريكي وحلفائه، كما توعدت طهران بمنع خروج النفط من الشرق الأوسط إذا استمرت الحرب.
سياسياً، أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده لا تسعى إلى وقف إطلاق النار حالياً، قائلاً إن “المعتدي يجب أن يتلقى درساً يردعه”.
بدوره حذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني من أن مضيق هرمز قد يتحول من “مضيق انفراج للجميع إلى مضيق اختناق للحالمين بالحروب”.
وفي الداخل الإيراني، أعلنت الاستخبارات اعتقال عشرات الأشخاص بتهمة التجسس، فيما حذر قائد الشرطة من أن أي احتجاجات تُنظم بدعوة من “العدو” قائلا لن نتعامل مع من ينزل إلى الشارع كـ “متظاهر” بل كـ “عدو”.
في نيويورك قال سفير إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية دمّرت نحو 10 آلاف موقع مدني منذ بدء الحرب في 28 فبراير، بينها مدارس ومنازل، مؤكداً مقتل أكثر من1300 مدني.
كما حذرت منظمة الصحة العالمية من مخاطر صحية بعد انتشار مركبات سامة في الأجواء نتيجة قصف منشآت نفطية، فيما دعت السكان إلى البقاء في منازلهم.
وفي واشنطن، أعرب أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ عن قلقهم من احتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب أوسع أو نشر قوات برية في إيران، خاصة مع ما وصفوه بدعم روسي للجيش الإيراني.
من جهته، قال المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إن موسكو نفت تزويد إيران بمعلومات استخباراتية عن الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وأفادت مصادر بأن نحو 150 جندياً أمريكياً أصيبوا منذ اندلاع الحرب، في حين كشف تقرير قدمته إدارة ترامب للكونغرس أن الولايات المتحدة استخدمت ذخائر بقيمة 5.6 مليارات دولار خلال أول يومين من العمليات.
أعنف الضربات
وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن الضربات التي نُفذت الثلاثاء تُعد من أكبر العمليات الجوية منذ بداية الحرب، مشيراً إلى مشاركة عدد أكبر من المقاتلات والقاذفات مع استخدام معلومات استخباراتية محدثة لتعزيز دقة الهجمات.
وأضاف هيغسيث أن اليوم يشهد واحدة من أكثر العمليات العسكرية كثافة منذ بداية الحرب، مع مشاركة أكبر عدد من المقاتلات والقاذفات وتنفيذ عدد أكبر من الضربات اعتماداً على معلومات استخباراتية “أكثر دقة وفعالية”.
وشدد هيغسيث على أن الولايات المتحدة لن تتراجع حتى تحقق “هزيمة ساحقة” للعدو، لكنه أكد في الوقت نفسه أن هذه الحرب لن تتحول إلى صراع طويل الأمد على غرار الحروب الأميركية السابقة في العراق وأفغانستان.
ووصف سكان في العاصمة الإيرانية القصف بأنه “الأعنف حتى الآن”، حيث استهدفت الضربات مناطق متعددة من طهران، ما أدى إلى تدمير مبانٍ سكنية وسقوط قتلى، وفق مشاهد بثها الهلال الأحمر الإيراني لعمليات إنقاذ وانتشال ضحايا من تحت الأنقاض.
وفي سياق متصل، قال مصدر مطلع لرويترز إن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بإيران قبل احتمال صدور قرار أميركي بوقف العمليات، بينما أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن تل أبيب لا تسعى إلى حرب مفتوحة لكنها تتشاور مع واشنطن بشأن توقيت إنهاء القتال.
“إيران ليست بالقوة التي كنا نتوقعها”
من جانبه قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين إن ردّ إيران على الهجوم الأميركي-الإسرائيلي المستمر منذ نحو عشرة أيام كان أقل قوة مما توقعه الجيش الأميركي قبل اندلاع الحرب.
وأوضح كين خلال إفادة صحافية في البنتاغون أن القوات الإيرانية “تقاتل”، لكنه أشار إلى أن أداءها العسكري لم يكن أقوى مما توقعته الخطط العسكرية الأميركية.
وأضاف أن وتيرة الضربات الإيرانية تراجعت بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب، مع استمرار القوات الأميركية في استهداف مخزونات الأسلحة الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ.
وفي ظل تصاعد التوتر حول مضيق هرمز، قال كين إن الجيش الأميركي يدرس خيارات لمرافقة ناقلات النفط عبر المضيق إذا صدرت أوامر بذلك، مشيراً إلى أن البنتاغون يبحث مجموعة من السيناريوهات لضمان تدفق إمدادات الطاقة.
وأدت الحرب بالفعل إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال، ما أدى إلى توقف ناقلات النفط عن الإبحار لأكثر من أسبوع وأجبر بعض المنتجين على خفض الإنتاج بسبب امتلاء مرافق التخزين.
ونفذت إيران ضربات انتقامية استهدفت قواعد عسكرية أميركية وبعثات دبلوماسية في دول الخليج، إضافة إلى استهداف منشآت وفنادق وإغلاق مطارات وإلحاق أضرار بالبنية التحتية النفطية.
وقال البنتاغون إن القوات الأميركية نفذت حتى الآن ضربات على أكثر من خمسة آلاف هدف منذ بدء الحرب في 28 فبراير، ما أدى إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من خمسين سفينة حربية إيرانية.
وكانت أسعار النفط قد ارتفعت لفترة وجيزة إلى نحو 120 دولاراً للبرميل عقب إعلان تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى ما دون 90 دولاراً.
وفي حين تتزايد التكاليف العسكرية للحرب، أفاد مصدر بأن الولايات المتحدة استخدمت ذخائر بقيمة 5.6 مليار دولار خلال أول يومين من الهجمات، بينما يتوقع مسؤولون في الكونغرس أن تطلب الإدارة الأميركية تمويلاً إضافياً يصل إلى 50 مليار دولار.
ميدانياً، أفادت وسائل إعلام إيرانية بمقتل ما لا يقل عن 1270 شخصاً منذ بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير، في حين أسفرت الضربات الإيرانية على إسرائيل عن مقتل 14 شخصاً، إضافة إلى استهداف قواعد عسكرية أميركية ومنشآت للطاقة ومواقع مدنية في المنطقة.
ورغم التصعيد العسكري، بدت الأسواق العالمية أكثر تفاؤلاً بإمكانية انتهاء الحرب قريباً، بعد تصريحات ترامب التي قال فيها إن الصراع “انتهى تقريباً إلى حد كبير”، وتراجعت أسعار النفط بعد الارتفاع الحاد الذي شهدته في بداية الأسبوع، فيما انتعشت الأسهم في آسيا وأوروبا.


