صحيفة الثوري – كتابات:
خليل الزكري
يشهد الفضاء العام اليمني تصاعدا في خطاب المواجهة في أوساط النخب السياسية والثقافية، وحتى على مستوى العامة من مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعكس تراكمات تاريخية معقدة وموجعة، وإحباطات ناتجة عن فشل المشاريع السياسية المتعاقبة.
مع تصاعد التوتر بين الحكومة والإنتقالي وبين السعودية والإمارات خلال الأيام الماضية، زاد هذا الخطاب من حدته، وتحول إلى لغة أحادية تعمل على تعبئة الجمهور أكثر من تحليل الواقع.
ففهم هذا الخطاب وتفكيكه يعد خطوة أساسية في محاولة إعادة بناء خطاب سياسي قادر على المشاركة الفاعلة في الحوار وصياغة رؤى ناضجة لحلحلة القضايا الوطنية، خصوصا القضية الجنوبية.
يميز خطاب المواجهة عدة سمات رئيسية، أهمها البناء الثنائي الذي يقسم الواقع إلى معسكرين متقابلين، والتأطير الأخلاقي الذي يحول الصراع السياسي إلى مواجهة بين سرديات الوحدة/الانفصال، الجنوب/الشمال، الشرعية/الانقلاب، ثم خطاب الضحية/البطل الذي يصور الذات على أنها ضحية للاضطهاد وفي الوقت نفسه كبطل مقاوم، بالإضافة إلى استدعاء التاريخ الانتقائي الذي يختار لحظات محددة لدعم سردية ما مع تجاهل الوقائع المغايرة.
ترتكز مكونات هذا الخطاب بدرجة رئيسية على حشد الأنصار وترسيم الانتماء الجماعي، غير أن نتيجة ذلك، تتمثل بالحد من القدرة على الحوار الواقعي وفهم التعقيدات الداخلية، وإنتاج التصورات والحلول، وتحويل الأنصار إلى أشبه بالقطعان التي تسيرها شعارات جوفاء.
ويمكن توضيح ذلك بأمثلة افتراضية: صحفي أو ناشط سياسي يستخدم صياغة “من يتفاوض فهو خائن”، ويندرج ضمن تهم الخيانة والعمالة أي رأي مخالف، أو منشور يصف أي “تنازل مؤامرة” على القضية، وهو ما يخلق ضغطا نفسيا على الجمهور المتلقي، وإدخاله في حالة إرباك، وتقديم صور ضبابية للمشهد، تكون محصلة ذلك استبعاد النقاش العقلاني.
ولتفكيك هذا الخطاب، في هذه المرحلة الحرجة، يتطلب الانتقال من مستوى تحليل النصوص الفردية إلى بناء إطار مؤسسي شامل، يعمل على إنتاج دليل أخلاقي، يترجم إلى آليات عملية من خلال إنشاء مرصد للخطاب السياسي الوطني أو تطوير مدونة شرف للحوار السياسي.
وتحدد هذه الآليات ضوابط ومعايير واضحة للغة المستخدمة في النقاش العام أو المحتوى الإعلامي المقدم للجمهور، وتقييم مدى التزام النخب بالمبادئ الأخلاقية والسياسية، مثل احترام التعددية وعدم تحميل الآخرين تهما بلا أدلة عليها.
ويضمن هذا التنظيم ضبط الخطاب وتوجيهه نحو إنتاج حلول عملية، وخلق آليات للمساءلة في حال الانحراف عن قواعد الحوار المقبولة، ما يعزز ثقافة المساءلة والمصداقية في النقاش العام.
كما لا يقتصر تحليل الخطاب على النخب المنتجة له، إذ يشكل الجمهور المتلقي جزءً حاسما في دورة إنتاج الخطاب نفسه.
وأكثر ما يحتاجه المجتمع اليوم هو تعزيز مناعة جماعية ضد الخطاب التصعيدي التعبوي، بحيث يتحول الجمهور من متلق سلبي إلى مشارك واع قادر على التمييز بين النقد المشروع والتجييش العاطفي، وبين التعبير عن الهوية والدفاع عن المشروع السياسي الواقعي.
ويمكن لهذا الوعي الجمعي أن يقلل من تأثير الخطاب الحاد على الرأي العام، ويهيئ بيئة أكثر استعدادا للحوار البناء.
وما يمكن لفت الانتباه إليه، أن خطاب المواجهة هذا، يكتسب زخمه من ارتباطه بمصالح مادية واقتصادية متجذرة، وفي الغالب تعمل “اقتصاديات الحرب” على تغذية هذا الخطاب، ليستفيد منه فئات محددة، سواء عبر موارد محلية أو دعم خارجي.
لذا فمن الأهمية القصوى أن يضطلع المثقفين، اليوم بمهمة تحليل هذه الأبعاد لفك الالتباس بين الشعارات والمصالح، وتحويل النقاش من مجرد شعارات إلى أدوات تفاوضية عملية، تجعل من الخطاب وسيلة لفهم الأولويات بدل أن يعمل كأداة استقطاب وحشد.
في المقابل، تلعب الأجندات الإقليمية دورا مهما في تشكيل بعض الخطابات، إذ غالبا ما يظهر هذا التأثير في خطابات تجعل من العلاقة مع الخارج معيارا أوليا لتقييم الخصوم أو الحلفاء، كما تؤثر على ترتيب الأولويات الداخلية للنخب.
وهذا لا يعني أن كل الخطاب يتأثر، لكنه يوضح أن قراءة نقدية للخطاب السياسي اليمني يجب أن تراعي تأثير التفاعلات الإقليمية على البنى الداخلية للنخب وعلى أولوياتها السياسية.
كما يمكن الاستفادة من نماذج ناجحة في أي عملية تحول خطابي داخل المجتمع خصوصا في جنوب اليمن، كالخطاب النسوي الذي طورته ناشطات جنوبيات؛ وتتصدره الناشطة عفراء حريري وغيرها الكثير، حيث تمكن هذا الخطاب من الجمع بين الدفاع عن الهوية والمطالبة بحقوق المجتمع دون الوقوع في فخ الانقسام أو التجييش العاطفي.
ويوفر هذا الخطاب نموذجا لتجربة خطابية أكثر تركيبية وواقعية، مثبتا أن التحول نحو خطاب بناء ممكن حتى في بيئات مشحونة بالتوترات والصراعات المركبة.
لذلك من المهم، العمل على إيجاد تحول في بنية خطاب المواجهة، من خلال أدوات عملية تشمل ورش عمل لتدريب النخب السياسية والإعلاميين والشباب على صياغة خطاب بديل، وتدريبات على الحوار متعدد الأطراف، وإنتاج لغة سياسية مشتركة واضحة للمفاوضات، مثل تصميم “دليل صياغة البيانات السياسية” أو نموذج للتفاوض متعدد الأطراف.
وتعمل هذه الأدوات على تحويل الخطاب من أداة صراع إلى وسيلة لتقريب وجهات النظر وتحقيق تفاهمات عملية، في أي مسار تفاوضي.
في هذا السياق، تأتي أهمية التركيز على نقل الخطاب من خطاب قائم على الرفض والمظلومية إلى خطاب مشروع ومسؤول، يعترف بالتعددية ويحدد مصالح المجتمع بوضوح، ويهيئ بيئة ناضجة للحوار الشامل، خصوصا حول قضية جنوب اليمن.
فالخطاب الأخلاقي والمؤسسي لا يعني التخلي عن القضية أو المطالب الحقوقية، بقدر ما يساهم في إعادة صياغتها بطريقة تقلل الاستقطاب وتزيد من فرص الحلول العملية والمستدامة.
وبهذا التحول يستعيد الخطاب، دوره الفاعل في تشكيل الواقع بدلا من أن يظل صدى للإحباطات الماضية والانفعالات والمصالح العابرة.
في المقابل، تتبنى نخب شمالية، خطايا مضادا، للسردية الجنوبية، خصوصا حول مسألة الوحدة والانفصال، غير أن الإشكالية في هذا الخطاب لا تكمن في مضمون ما يقدم من حجج، بقدر ما تكون في طريقة تقديمها الخطابية.
ففي كثير من الأحيان، يصاغ هذا الطرح بوصفه حقيقة مكتملة لا تقبل النقاش، ويظهر الطرف الآخر “الانفصال” باعتباره مجرد نتاج تضليل خارجي أو تعبير عن نزعات عصبوية بدائية، دون أي محاولة جدية لفهم السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في انتشار هذه السردية داخل الجنوب.
وبهذا يتحول خطاب الدفاع عن الوحدة من خطاب تفنيد عقلاني إلى خطاب مواجهة وإقصاء، يعيد إنتاج الثنائية ذاتها التي ينتقدها، ويختزل القضية الجنوبية في مسألة وعي زائف لا في أزمة سياسية عميقة.
إن منطق التصادم السردي هذا، سواء انطلق من موقع الدفاع عن القضية الجنوبية أو الدفاع عن الوحدة، يساهم في تعميق الاستقطاب وإغلاق مسارات الحوار. فكما يعاني “خطاب الانفصال” من تبسيطات وتعميمات، فإن “خطاب الوحدة” المضاد حين يتجاهل إخفاقات الدولة وتجارب الإقصاء والتهميش، يفقد قدرته على الإقناع ويتحول إلى عامل إضافي في تأزيم المشهد بدلا من تفكيكه.

