صحيفة الثوري- افتتاحية واشنطن بوست:
لا تفكّر الحكومة الأميركية في إحداث تغييرٍ للنظام على غرار ما جرى في العراق، وهي تدرس كيف تفي بوعد الرئيس دونالد ترامب بالقدوم إلى «إنقاذ» المتظاهرين الإيرانيين الذين يُذبحون في الشوارع على يد حكومتهم، لكن كبار مستشاري ترامب يواجهون باقةً من الخيارات الأخرى، فيما يجتمعون يوم الثلاثاء لبحث الخطوات التالية.
يبدو أن النظام في طهران مرتبك بوضوح، فقد عمد، ضمن حملة قمع للاحتجاجات التي انتشرت كالنار في الهشيم، إلى قطع الإنترنت، وإيقاف شبكات الهواتف المحمولة والخطوط الأرضية، بعدما اندلعت التظاهرات في أكثر من 180 مدينة وبلدة عبر المقاطعات الإحدى والثلاثين كلها.
ويجعل هذا التعتيم من الصعب معرفة عدد القتلى، غير أن التقديرات الأولية تبدأ من نحو 500 قتيل، وقد شهدت احتجاجات عام 2019، التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود، إجراءً مماثلًا حين قطع الملالي الإنترنت بينما كانوا يقتلون أكثر من 1500 شخص.
تنقسم إدارة ترامب حول كيفية المضي قدمًا، إذ تعرض إيران إعادة فتح المحادثات بشأن برنامجها النووي لإقناع الولايات المتحدة بالتراجع، ويرى نائب الرئيس جيه دي فانس ضرورة إعطاء هذه المحادثات فرصة قبل أن يُقدم ترامب على شنّ ضربات جوية، وتعتبر جهة أخرى هذا العرض محاولةً يائسة لكسب الوقت، فقد رفضت إيران بالفعل الدخول في مفاوضات بعد «حرب الأيام الاثني عشر»، قائلة إن الولايات المتحدة تطرح «مطالب غير معقولة»، فما الذي تغيّر الآن؟ أما ترامب نفسه، فقد ألمح إلى أنه قد يفعل الأمرين معًا: يضرب أولًا، ويتحدث لاحقًا.
يمتلك ترامب خيارات عسكرية تُمكّنه من تنفيذ تهديداته، وقد يتضمن النهج الحركي قصف قواعد تابعة لقوات الأمن أو استهداف كبار المسؤولين الحكوميين مباشرة، وقد يقتصر الأمر على توجيه طائرات مسيّرة لتصفية ميليشيات شبه عسكرية أثناء تحركها لقمع الاحتجاجات بعنف.
أعلن ترامب وفي وقت متأخر من مساء الاثنين، فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على أي دولة تواصل التعامل التجاري مع إيران.
وتشمل الخيارات غير الحركية الأخرى شنّ هجمات سيبرانية ضد أهداف حكومية، فضلًا عن إيجاد طرق لتهريب مزيد من محطات «ستارلينك» لاختراق التعتيم.
وكانت إدارة بايدن قد ترددت في اعتماد هذا الخيار خشية كشف الأساليب التي تستخدمها أجهزة الاستخبارات لإدخال المعدات إلى البلاد، أما إذا كان ترامب عازمًا على المضي حتى النهاية، فلن يحتاج إلى أن يردعه مثل هذا الاعتبار التكتيكي.
لا تنهار الأنظمة القمعية إلا عندما تظهر تصدعات داخل صفوفها، ويمكن للاحتجاجات أن تكون محفزًا لانفجار داخلي، لكنها غالبًا ما تكون غير كافية بذاتها.
إن الشعب الإيراني الشجاع يمارس ضغطًا حقيقيًا من داخل البلاد. فمن خلال النزول المتكرر إلى الشوارع، رغم التعرض للضرب والقتل، يرفع المتظاهرون الكلفة الإنسانية، ويزيدون احتمالات أن ترفض بعض عناصر أجهزة الأمن المتشظية تنفيذ الأوامر الموجهة إليها بقتل المدنيين.
ويمكن لإضافة ضغطٍ من الخارج أن تُحكم هذا الطوق، غير أن المفتاح يكمن في التأكد من أن هذا الضغط يُنظر إليه بوصفه دعمًا للناس في الشارع، لا جزءًا من أجندة أوسع، فإذا شعر قائد ميليشيا بأن الجدران تضيق من حوله، فقد ينشق، أما إذا اعتقد أنه يدافع عن بلاده في مواجهة أجانب أشرار، فقد يقاتل بشراسة أكبر.
يبقى المجهول الأكبر هو ما الذي يريد ترامب تحقيقه في نهاية المطاف، فهذه الأزمة قد تنتهي بإحدى نتيجتين: إما أن ينهار النظام، أو أن يتمسك بالبقاء، وقد يعتقد ترامب أنه، مع قدر كافٍ من الضغط، يستطيع التوصل إلى اتفاق نووي مستدام وتجنّب الفوضى الجديدة التي قد يخلقها انهيار النظام، لكن إغراء إعادة ضبط الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط وما بعده — حيث ستكون روسيا والصين الأكثر تضررًا — يظل أكثر جاذبية، وأيًا يكن الهدف الذي سيقرره ترامب، فإن تخفيف الضغط عن النظام في لحظة ضعفه القصوى سيكون خطأً فادحًا.


