آخر الأخبار

spot_img

‏النظام الإيراني في طريق الموت

صحيفة الثوري- واشنطن بوست: 

ديفيد اغناشيوس

لنتخيّل اجتماع مجلس الأمن القومي الأعلى في إيران يوم الجمعة، فيما كان أعضاؤه الاثنا عشر يتداولون بشأن الانتفاضة التي تنتشر في أنحاء البلاد، فقد تعهّد المسؤولون المتشدّدون بـ “قمعٍ حازم” لسحق المحتجّين، تمامًا كما جرى في أعوام 2017 و2018 و2019 و2022 و2023، غير أنّ الرئيس مسعود بزشكيان وزملاءه يرون مقاطع الفيديو نفسها التي تُظهر تمرّدًا عنيفًا وتتداولها وسائل الإعلام حول العالم، ولا بدّ أنهم يدركون أنّ هذه الاحتجاجات تتكرّر لأنّ النظام آخذ في التعفّن سياسيًا واقتصاديًا، ولأنّ البلاد بأكملها تعرف ذلك، فكل موجة قمع تُنجب احتجاجًا لاحقًا.

يستطيع النظام إخماد هذه النار، لكن ماذا عن النار التالية، والتي بعدها؟

إنّ النظام الإيراني يسير في طريقٍ أحادي الاتجاه نحو الكارثة، وقد شاركني هذا التقييم دبلوماسي أوروبي رفيع في طهران قبل سنوات، ولا يزال صحيحًا حتى اليوم ومفاده: تمتلك إيران أدوات أمنية قوية، لكنها بدأت تصدأ، فقد عجز النظام عن حماية وكلائه: “حماس” في غزة، و “حزب الله” في لبنان، والرئيس بشار الأسد في سوريا، والأهم من ذلك، أنّ إيران لم تستطع حماية نفسها من الهجوم المنهجي الذي شنّته إسرائيل في يونيو/حزيران.

إنّ النظام الإيراني يعيش سلسلة من الخسائر.

يقول كريم سجادبور من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي “الجمهورية الإسلامية اليوم نظامٌ زومبي” ويضيف “شرعيته، وأيديولوجيته، واقتصاده، وقائده، كلّها ميتة أو في طور الموت، وما يبقيه حيًا هو القوة القاتلة. يقتل ليعيش، ويعيش ليقتل. قد تؤخّر الوحشية جنازة النظام، لكنها لا تستطيع إعادة النبض”.

وقد ألقى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي خطابًا متحدّيًا يوم الجمعة، زاعمًا أنّ المحتجّين “مجموعة من المخربين” يسعون لإرضاء الرئيس دونالد ترامب، لكن خامنئي، الواهن جسديًا والمتصلّب ذهنيًا في سنّ السادسة والثمانين، يمثّل جوهر مشكلة النظام ودليلًا حيًا على إنهاكه، كما أنّه لا يملك خليفة واضحًا منذ وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث تحطّم مروحية عام 2024.

ولكن كيف يمكن للولايات المتحدة أن تساعد المتمرّدين على أفضل وجه؟

لقد توعّد ترامب بفرض عقاب عسكري إذا أقدم النظام على ذبح مواطنيه، غير أنّ النظام على الأرجح لن يمنحه هذه الذريعة؛ إذ تجنّبت إيران في احتجاجات سابقة قمعًا على غرار ميدان تيانانمن، ومن المرجّح أن تفعل ذلك مجددًا.

يمكن لإدارة ترامب أن تعمل مع حلفائها على تشديد الضغوط أكثر، ولهذا السبب ينبغي لترامب أن يتجنّب تنفير أصدقائه بهوسه بغرينلاند؛ فهو بحاجة إليهم للتعامل مع القضية الأكبر، أي إيران، أما السؤال الأصعب في واشنطن فهو ما إذا كان ينبغي تهريب محطات “ستارلينك” لعكس حجب الإنترنت الذي فرضته طهران يوم الجمعة، فقد درست إدارة بايدن هذه الاستراتيجية خلال احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” في عامي 2022 و2023، لكنها قرّرت عدم المضي فيها، خشية تعريض مسارات التهريب الحيوية التي تستخدمها وكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات الإسرائيلية للخطر، ولكن ربما تكون الفائدة هذه المرة أكبر من الكلفة.

وقد امتدّت احتجاجات هذا الأسبوع إلى جميع مناطق إيران ومكوّناتها العرقية، لكنها لم تبلغ بعد حدّة انتفاضة 2022–2023، فقد بدأت تلك الحركة الجماهيرية العفوية بخروج النساء إلى الشوارع احتجاجًا على وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها، بعد اعتقالها لرفضها ارتداء الحجاب، وأسفر القمع اللاحق عن مقتل 551 شخصًا واعتقال أكثر من 22 ألفًا، بحسب تقارير حقوقية، كما قتلت قوات الأمن 104 أشخاص فيما عُرف بـ “الجمعة الدامية” في سبتمبر/أيلول 2022.

ولكن ها هي انتفاضة جديدة قد عادن بعد ثلاث سنوات على الرغم من السحق العنيف للتمرد السابق، وهي انتفاضة بلا قيادة واضحة، وربما بلا بوصلة، لكنها قوية التأثير. واعتبارًا من يوم الاثنين، أُبلِغ عن احتجاجات في أكثر من 340 موقعًا في جميع المحافظات الإيرانية الاحدى والثلاثين وفقًا لموقع «إيران واير» الإخباري، وتتّسع التظاهرات وتزداد عنفًا مع تقدم الاسبوع، كما تُظهر مقاطع الفيديو المتداولة عبر الإنترنت.

وتُحرّك انتفاضة هذا العام بدرجة أكبر مشاعر الغضب من إخفاقات إيران الاقتصادية، أكثر من رفض القواعد الإسلامية القمعية التي يفرضها رجال الدين، فقد ارتفع معدّل التضخّم السنوي إلى 42 في المئة في ديسمبر/كانون الأول، وخسرت العملة الإيرانية أكثر من نصف قيمتها خلال العام الماضي.

ومن الفوارق الأخرى هذا العام أنّ عددًا كبيرًا من المحتجّين باتوا يدعمون رضا بهلوي، نجل شاه إيران الذي أطاحت به ثورة 1979، وهو ما يضفي على هذا التمرّد طابعًا أكثر محافظة وقومية فارسية، وربما نظرة إلى الوراء، وربما تكون هذه لحظة “لنجعل إيران عظيمة مجددًا” الخاصة بها.

أما العامل غير المتوقع هذا العام فهو ما إذا كان المتشدّدون في النظام قد فقدوا حدّتهم، فكما حدث في الاتحاد السوفيتي خلال سنواته الأخيرة، قد تكون الأجهزة الأمنية فقدت التزامها الأيديولوجي وانضباطها، فقد شاهدوا عاجزين سحق قواتهم الوكيلة في غزة ولبنان وسوريا، كما عانوا هم أنفسهم من ويلات التضخّم والركود الاقتصادي التي يعاني منها باقي الشعب.

إنهم لم يُكسَروا بعد، لكنهم يبدون أكثر هشاشة مما كانوا عليه في الماضي.

فلنعد مجددًا إلى ما يدور في أذهان أعضاء مجلس الأمن القومي الأعلى الاثني عشر. إنهم يعرفون أنّ إيران تعيش حالة جمود، ومن المرجّح أن تتضمّن موازنة العام المالي المقبل رفع الضرائب وخفض الدعم لتمويل الإنفاق الدفاعي، وهم يترقّبون الانتقال السياسي الذي سيأتي مع وفاة خامنئي، لكنهم في الوقت الراهن يترنّحون إلى الأمام كأمّة جريحة محبطة.

وحين ينظر أعضاء المجلس جنوبًا عبر الخليج إلى السعودية والإمارات، يرون جيرانهم يسرعون نحو تبنّي الذكاء الاصطناعي ومستقبل اقتصادي ديناميكي، فيما يتشبّثون هم بنظام قمعي متخلّف بالكاد يستطيع إطعام شعبه.

لا يمكن التنبؤ بالثورات، لكن عند النظر إلى إيران، يبدو واضحًا أنّ شيئًا ما سينكسر في النهاية على نحوٍ مدوٍّ.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img